لماذا يرفض الناس الحق؟

No comments »

لو شاهدنا مسرحية فيها من ما فيها عادةً من صراع الحق مع الباطل، والمواجهة الكلاسيكية بين الخير والشر، وتدافع الظالم بالمظلوم، سنتعاطف كلنا مع المظلوم، متحمسين لأن تنتهي المسرحية بانتصار الحق على الباطل. ولا عجب حين تسيل دموعنا في مشاهد القهر التي تعلو بها سطوة الباطل، وينخذل فيها الحق وأهله. العجب حين تلتفت حولك فتجد  بين الجمهور ظالماً يبكي بجانبك تعاطفاً مع المظلوم، ومتكبراً يتحسر على مشاهد المستضعفين، وفاسد يشمئز من مشاهد الضلال والانحراف في المسرحية!
 
إنها الفطرة السليمة التي تميل إلى الحق فطرةً وأصلاً، ولا تميل عنه إلا بسبب صارف. ناقش القرآن هذه الأسباب في مواضع كثيرة في معرض حديثه عن الأمم التي رفضت الحق، لأنها أسباب بشرية، يقع فيها المسلمون أيضاً.
 
الحق الذي تناوله القرآن هو الحقيقة الكبرى المتمثلة بالتوحيد والإيمان، إلا أن الحق يشمل جميع ما دون ذلك من أفكار ومواقف وقناعات. فالخطاب القرآني الذي يواجه جحود المشركين لرفض الحق, يواجه المسلم الذي يجحد بعض الحقائق أيضاً. بل إن القرآن خطاب للمسلمين بشكل أساسي، وما يذكره من حيل المشركين للتهرب من الحق والصد عنه ومحاربته هو تحذير مبطن موجه للمسلمين لا للكافرين. هنا نتسائل: ما الأسباب التي تجعل الناس ترفض الحق؟
 
يرفض الناس الحق ربما لأن رافع لواء الحق ليس من جماعتهم “وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم” فلو نزل على الوليد بن المغيرة المخزومي مثلاً قَبِلنا، أو نزل على حبيب الثقفي قَبِلنا، أما محمد من بني هاشم من مُضر فلا، فـ”كذاب ربيعة خير من صادق مُضَر”
 
ويرفض بعض الناس الحق لأن أهل الحق ربما كانوا فقراء من الطبقة المتدنية اجتماعياً، المُهمشة سياسياً، وهم لا يريدون أن يكونوا مع هؤلاء في زمرة واحدة حفاظاً على هيبتهم. فسادة قريش، أبو جهل وأبولهب وأبوسفيان، رفضوا الفكرة التي تساوى بينهم وبين العبيد والموالي. لا يريدون إسلاماً فيه بلال الحبشي وصهيب الرومي. وهو ذات السبب الذي اتخذه قوم نوح من قبل حين قالوا: “أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟!” وقالوا: “وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادِيَ الرأي”
 
يرفضونه أيضاً لأنهم يكرهون أناساً سبقوهم إلى الحق، فإن اتبعوا الحق بعدهم سيكونون مسبوقين، وسيبدون مقلدين، وهم بالطبع لا يقلدون أحداً ولو كان على حق: “وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه” نزلت في مشركي قريش وقيل في يهود المدينة حين قالوا: لو كان هذا الإسلام خير ما سبقنا إليه فلان وفلان.
 
يرفضون الحق خوفاً على أمنهم ومصالحهم الاقتصادية. فقريش قالوا نحن سادة العرب وقبلتهم الدينية وحاضنة أصنامهم ومركز اقتصادهم، ولو أسلمنا فقدنا مكانتنا عند العرب الوثنيين “وقالوا إن نتبع الهدى معك نُتخطف من أرضنا، أولم نمكن لهم حرماً آمنا يُجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟”
 
ويرفضون الحق لأنه جديد عليهم، ولم يعتادوا عليه، ولم يعهدوه من آبائهم، فإذا واجهتهم بالحق الذي لا غبار عليه قالوا “ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين”.
 
يرفضونه كبراً، يعلمون أنه الحق ولكنه مجرد الكبر والاستعلاء “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعُلواً”، “فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون”
 
يرفضونه حقداً على معسكر أهل الحق، كما رفضه يهود المدينة, فقد وقف حيي ابن أخطب سيد يهود المدينة ينتظر قدوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، فلما وصل قيل له: أهو هو؟ (أي أهو النبي الموعود الذي جاء ذكره في التوراة؟) قال: نعم، قيل فما تعتزم؟ قال: معاداته أبد الدهر “فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به”
 
يرفضونه كرهاً بالحق نفسه، فالحق مر أحياناً، “لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون”
وكره الحق من مظاهر الهوى الذي لا يستند لدليل وقناعة، وإنما انحراف قلبي، وضعف الإرادة، ومزاج غير مبرر. قال الله مخاطباً داود:يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ” وهنا يتقابل الحق مع الهوى، لا الحق مع الباطل، في إشارة إلى أن الإنسان لا يضل دائماً بشبهة عقلية، لكن يضل بالهوى بالدرجة الأولى، ثم يزين لنفسه شبهة عقلية يغلف بها موقفه.
 
منهم من يرفض الحق مدعياً أنه لا يجد الأدلة كافية عليه ويطالب ببراهين وآيات مستحيلة، “قالوا يا هود ما جئتنا ببينة!” مع أن الأدلة الموجوةد كافية وواضحة “وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار  خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه!”
 
يرفضون الحق لأنهم يعبدون القوة، ويتبعون القوي لا صاحب الحق، خصوصاً حين يكون الحق ضعيفاً، فهذه مدين قالت: “يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً” وقوم فرعون اتبعوا فرعون القوي طمعاً في قوته وخوفاً من بطشه ” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، فاتبعوا أمر فرعون”
 
هذه جملة أسباب، أليست نفسها التي يرفض فيها كثير من الناس الحقَ اليوم؟ أم أنها خاصة بكفار قريش فقط؟
 

 

المنافقون في القرآن

No comments »

يقسّم القرآن المجتمع المسلم من حيث الإيمان إلى ثلاث مكونات: مسلمون، غير مسلمين، منافقون. المسلمون هم الملتزمون بالحد الأدنى من الإيمان، يذنبون ولكنهم يقرون أوامر الله ونهيه ويرغبون بتطبيق شرع الله. غير المسلمين هم الكفار المسالمين من أي ملة كانت. المنافقون هم إما كافرون أخفوا كفرهم وأظهروا إسلامهم، أو مسلمون أصلاً ثم ارتدوا ردّة مُبطنة وخالف هواهم المصالح العامة للمسلمين، وهم في كلا الحالتين كفار.
هذا التقسيم هو ذات التقسيم في المدينة في الصدر الأول من الإسلام، مسلمون من مهاجرين وأنصار، غير مسلمين من قبائل يهود الثلاث، والمنافقون من حزب عبدالله بن أبي بن سلول.
لم يكن المنافقون مجموعة حصرية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانتهت بفضحهم، إنما هي مكوّن مستمر ودائم من مكونات المجتمع المسلم في كل زمان ومكان -كحال المكوّنَين الآخرِين- إلى يومنا هذا، وإلا ما كان الله لينزل سورة كاملة باسم “المنافقون” ولا ليفتتح سورة البقرة بالتحذير منهم، ولا لينزل الآيات الطوال في سورة التوبة والأحزاب في توصيفهم.
 
والقرآن حين فصّل كثيراً من صفات المؤمنين, وصفات الكافرين, فإنه فصّل صفات وعادات المنافقين المتكررة في ١٦ صفة رئيسية:
١. ادّعاء الايمان: هم أذكي من التصريح بالكفر، ويستفيدون من كونهم محسوبين في معسكر المؤمنين لهدم الأمة من الداخل “ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين” “وإذا لقوا الذين آمنو قالوا آمنا” ظاهرهم الايمان، ولديهم مساجد، ويصلون، وينفقون، لكن “ما هم بؤمنين” ومساجدهم “ضرار” وصلاتهم “يراؤون الناس” بها ونفقاتهم “مغرم”
٢. تسفيه المؤمنين: يسفهون جهود وأفكار المؤمنين، والمؤمنون يصيبون ويخطئون ويناصحون بعضهم، وينقدون بعضهم، أما التسفيه الدائم هو صفة المنافقين “وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء”
٣. الكذب: ومع الحلف أيضاً “وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، يهلكون أنفسهم والله يشهد انهم لكاذبون”
٤. بغض المؤمنين: إلى الحد الذي يظهر هذا البغض جلياً “قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر” ثم يقول الله سبحانه منبهاً المؤمنين أنها إحدى الآيات والعلامات الواضحة للمنافقين ” قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ” توصيف دقيق. وإشارة أخرى لهذه الصفة في سورة محمد “أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم”
٥. تحريض الكافرين ونُصرتهم ضد المؤمنين: “ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لإن أُخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، ولإن قوتلتم لننصرنّكم”
٦. الأذى: بكافة أشكاله من طعن بالأعراض والاتهامات العشوائية “ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أُذُن” “والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات فقد احتملوا بُهتاناً وإثماً مبيناً”

٧. التآمر على المسلمين: هم يخططون سراً ويدبرون التدابير ضد المؤمنين “هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا” نزلت في المنافقين الذين يقولون للأنصار لا تنفقوا على المهاجرين لكي ينفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٨.اللمز: وهو ما دون الاتهام الصريح الذي يُمكن مقاضاة مدّعيه، وهي صفة جبانة ومتكررة “ومنهم من يلمزك في الصدقات” “يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”  وشواهد اللمز كثيرة في السيرة.

٩. سعيهم للفتنة: وسقوطهم في الفتنة، والأعجب.. اتهامهم للمؤمنين بإشعال الفتنة! “لقد ابتغوا الفتنة من قبل…” وفي الآية التي تليها “ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي!” وهو اتهام مبطن للنبي صلى الله عليه وسلم بأن دعوته للجهاد هي دعوة للفتنة، والحقيقة هي”ألا في الفتنة سقطوا”

١٠. تكذيب موعود الله: “إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً” وعدنا والله ورسوله بالنصر وبشرنا رسول الله بنصرنا على يهود وفتح القسطنطينية وروما، أذكر مرة أحد المشايخ استشهد بحديث الإمام أحمد الذي صححه الألباني عن فتح رومية “روما”، فخرجت إحدى الصحف بعنوان ساخر “الداعية الفلاني يبشر المسلمين بفتح روما”

١١. بذاءة اللسان والعنف اللفظي تجاه المؤمنين: “فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنةٍ حِداد”

١٢. رفض تحكيم الشريعة: بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر في تحكيم الشريعة، المنافقون يرفضونها من الأساس “ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت”

١٣. الصد عن ذكر الله: يكرهون مجالس الذكر، إذا دُعوا إلى خير يتصددون، ويتكبرون على الطاعة “وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون”

١٤. خذلان المسلمين: في أحلك الظروف، وحين يحتاج المسلمون الدعم والنصرة، يتخاذل المنافقون، بل ويدعون الآخرين لخذلانهم! ” وإذا قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مُقام لكم فارجعوا” نزلت في المنافقين الذين خرجوا مع الصحابة لغزوة أُحُد، ثم تخاذلوا في منتصف الطريق ورجعوا، ودعوا باقي الجيش للرجوع، فانسحب ثُلث الجيش.

١٥. لوم المؤمنين: إلقاء اللائمة على المؤمنين في كل مصيبة وتحميلهم مسؤوليتها “يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا” “الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا” وهنا تشير الآية إلى تحميل المنافقين مسؤولية الشهداء على المؤمنين المجاهدين! والعجيب أنهم لم يلوموا من قَتلهم وأخرجهم من ديارهم في الأصل، والأعجب أنهم لم يلوموا أنفسهم حين خذلوهم قبل بدأ المعركة!

١٦. الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف: كل باب للفسق والمنكر يدعون له، ويقفون عقبة أمام كل باب خير، ويتعاونون مع بعضهم على ذلك “المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف” ومن ذلك حبهم لإشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم “الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا”، ونهيهم عن التبرعات للمحتاجين والعمل الخيري ” هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله”
 
هذه جملة من صفات المنافقين في القرآن، والسنة أشارت إلى المزيد. لم تكن إشارة القرآن إليها للدلالة التاريخية، إنما لدلالتها الواقعية المتجددة، وما كان الله ليخصص في كتابه الخالد كمّاً كبيراً من الآيات عن صفات المنافقين للتاريخ فقط، ولو كان كذلك فلن يستفيد المؤمنون من قراءتها عبر العصور.
 
وقد يتأثر المؤمنون بكلام المنافقين، كما تأثر بعض الصحابة الذين عاتبهم الله بقوله ” وفيكم سمّاعون لهم” ونهاهم عن الاستماع إليهم في آيات كثيرة.
وحتى لا نتهم كل من نخالفه بالنفاق يجب أن نوضح الخط الفاصل بين الإسلام والنفاق، فربما اختلف المسلمون مثلاً حول قضايا كمفهوم الدولة في الإسلام وشكل تطبيق الشريعة وشكل المجتمع المنشود، ومنهم من يكون لديه تصوراً مختلفاً لكنه في النهاية يعتقد أنه ينطلق من أصول الشرع، مثل كثير ممن نصفهم بالليبراليين أو العلمانيين الذين لديهم تصورات نابعة من مرجعية شرعية “كما يعتقدون”، كغازي القصيبي أو محمد عابد الجابري وغيرهم، وهنا نوافق أو نخالف تصورهم لكن لا نتهمهم بالنفاق إطلاقاً، إنما المنافقون هم من يقرّون صراحة رفضهم لمرجعية الإسلام من حيث المبدأ كـ “بعض” من تبنى الفكر الشيوعي أو العلمانية الصلبة أو المادية ومن يعلن صراحة ولاءه لأمة معادية ويريد هدم البيت الداخلي المسلم.
وقد يتسائل أحدنا: لماذا لم يشر القرآن إلى أسماء المنافقين مباشرة لكي يريح المؤمنين ويعرّفهم عليهم؟
يقول الله سبحانه: “ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول” إن الإشارة لأسماءهم لن يحل المشكلة، لأنهم فئة متجددة ومستمرة عبر التاريخ ما بقي القرآن يُتلى، ولكن “سيماهم” الواضحة وفلتات ألسنتهم كفيلة بالتعرف عليهم.
لذلك، فالهدف من إيراد هذه الصفات هو التعرف عليهم. ونحتاج للتعرف عليهم من أجل الانتباه للعدو الداخلي ومواجهته، فالنفاق ليس ذنباً بين العبد وربه ينبغي أن يستره المجتمع ويتغاضي عنه، بل هو هجوم من عدو داخلي ينبغي مجاهدته “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم”…بل إن جهاد المنافقين أشد وطئة من جهاد الكفار.. فالله حين تكلم عن الأعداء من الكفار قال “لن يضروكم إلا أذى” أما حين وصف المنافقين قال “هم العدو فاحذرهم”.
كيف نجاهدهم؟
 موقف الإسلام من غير المسلمين -محاربين أو مسالمين- يبدو أكثر وضوحاً وتأصيلاً، أما التعامل مع المنافقين وفقاً للشرع يبدو أكثر غموضاً.. لعلنا نلخصه في المقال القادم بإذن الله

 

العقيدة بين الإيمان والدراية

6 comments »


لم تكن مشكلة العقيدة يوماً في مسألة الخلاف الدائر بين أهل الحديث والأشاعرة والماتردية وغيرهم من الملل، فهذا إشكال هامشي إذا ما قورن بالأزمة العقائدية الحقيقية التي نعاني منها من حيث لا نشعر.
منذ بدأ الفقهاء بتأصيل علم العقيدة والتوسع بتعريفها والتفرع بتقسيماتها وتحديد أُطِرها ومحاولة تمييزها عن غيرها من العقائد خوفاً من اختلاطها بغيرها، أقول منذ بدأ ذلك صارت العقيدة تنتقل تدريجياً من إيمان وسلوك إلى علم ودراية، وحين صارت العقيدة علماً لا تربية، أصبحت تُدَرّس لا تُغْرَس.
تأتي الخطورة هنا حين نكون على دراية بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، في الحين الذي لا نكون مؤمنين بها قلباً ولا سلوكاً.
إن الخطاب القرآني حين تناول العقيدة كان خطاباً تربوياً بحتاً لا تعليمياً، ولو كانت الآيات التي تربي على العقيدة بالمئات لسقتها ولكنها بالآلاف.
لاحظ حين يذكر لك الله سبحانه قصة موسى وفرعون الإشارة الواضحة على توحيد الله واستحقاقه وحده للعبادة، وكأنه ينبهك أن الخضوع للطغاة نقص في التوحيد. لاحظ حين يتطرق إلى أحكام جامدة كالطلاق والإرضاع ثم يربطها جميعاً بالعقيدة، إقرأ جميع آيات الطلاق في البقرة وسورة الطلاق، لا تخلو آية واحدة منها من إشارة إلى التقوى والتذكير بالله. وكأن يربيك للتعامل مع الأحكام الإلهية تعاملاً قلبياً لا قانونياً. لم يمتدح القرآن المؤمنين بأنهم عرفوا العقيدة الصحيحة, بل امتدحهم لما غُرست هذه العقيدة في قلوبهم, إذ أن الكفار والمنافقين كانوا على علم بالعقيدة الصحيحة أيضاً “ولإن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله” وذكر الله في غير موضع أنهم على دراية أن أصنامهم لا تنفع ولاتضر, وقد أقام عليهم الأنبياء الحجة البالغة كما فعل إبراهيم “فرجعوا إلى أنفسهم” أي عرفوا حقيقة أصنامهم الباطلة وعلموا أن الله وحده المستحق للعبادة, فهم موحدون مثلنا إذاً لو كانت العقيدة مجرد دراية, ولكنها إيمان يسلتزم استحضارها في كل وقت. لم يذكر الله عبثاً تلك الأمم التي عرفت الحق وصدت عنه “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلواً” إذ أن في ذلك تحذيرللمسلمين أهل العقيدة الصحيحة من أن تكون عقيدتهم كعقائد هؤلاء.
وحين تقرأ سيرة المربي محمد صلى الله عليه وسلم تجده مربياً لا مُعلماً للعقيدة، حتى ملأ قلوب الصحابة إيماناً ويقيناً انعكس ذلك على سلوكهم، وربما كان بعضهم أعراباً لا يحفظون آية واحدة من كتاب الله, لم يكن مهماً إغراقهم بالتعاريف بقدر غرس المفهوم في القلوب, ولا عجب حين يقول صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه” وهذا كلام موجه لأهل المدينة من المؤمنين لا لكفار قريش.
وفرّق الله سبحانه بين أهل الدراية وأهل الإيمان حين: قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم. 
هؤلاء الأعراب علموا أن الله هو الإله الحق، وأنه الرازق الخالق، وعلموا فيما علموا له من صفات حسنى، مع ذلك لم يدخلهم الله في دائرة الإيمان، إذ أن مجرد المعرفة بهذا لا يجعل منك مؤمناً.
وما أقسى الأمر حين تنظر في حالك فتجد أن ما كنت تظنه من إيمانك هو مجرد معلومة مركونة في أحدى زوايا خلايا عقلك، تدعي أنك موحد لله المستحق وحده للعبادة والتعظيم، إذاً ماذا تسمى طاعتك العمياء وتعظيمك لملك أو حاكم؟ تدعي أنك مؤمن بأن الله هو المعز المذل, إذاً ماذا تسمي تزلفك لفلان وفلان من أهل المناصب؟ تدعي أنك مؤمن أن الله سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير، فأين إيمانك حين تخلو بمحارم الله؟ تدعي أنك مؤمن باسم الله الوكيل الرزاق، أين إيمانك حين يفوح منك الغرور وتكل الأمور لنفسك ويفوتك الاتكال على الله، تدعي أنك تؤمن باسم الله العدل الشديد العقاب، أين هذا الإيمان حين تظلم وتبطش بخادمك؟ تدعي أنك مؤمن بما أعده الله من نعيم في الجنة، أين إيمانك حين تنشغل عنها بدنيا زائلة؟
لست مؤمناً ولا صحيح الاعتقاد حين تقوم بذلك, وربما لا تكون مؤمناً إطلاقاً ولا من أهل الملة إذا كان هذا حالك باستمرار. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟ إن العبد في حالة شروعه بالمعصية لا يكون في لحظتها مؤمناً إطلاقاً ولا يكون جلال الله حينها حاضراً في قلبه، إذ لو مؤمناً لكان إيمانه يستدعي استحضاره السريع لرؤية الله له أثناء معصيته، ولو افترضنا أنه استحضر رؤية الله له وتجاهل ذلك وشرع بالمعصية بكل وقاحة، فإنه وإن كان حينها مستحضراً رؤية الله فإنه بلا شك لم يكن مستحضراً هيبته ولا شديد عقابه فإيمانه حينها ناقص، والحالة الثانية أقبح من الأولى.
إذاً فالعقيدة عندنا معلولة،والسبب هو تناولها في التعليم ذهنياً دون ربطها قلبياً، وهذه هي الطامة الكبرى، ليست مشكلتنا ما نراه من بدع بعض أهل البدع ومنازعة الآخرين على مسائل خلافية صغيرة، أصلح عقيدتك أولاً وثبتها في قلبك قبل عقلك، واجعلها حاكمة على سلوكك، حتى إذا استقر يقينك بالله وأردت الاستزاده، قم بعدها وابحث في دقائق مسائل الخلاف بين أهل الملل التي تندرج جميعها في دائرة الإسلام إن لم تكن في دائرة أهل السنة الواسعة.
ولما رأيت أن الطريق إلى اليقين هو طريق ممتد من المهد إلى اللحد، يُقضى العمر قبل أن تصل إليه، لذلك اخترت إيماناً فطرياً كإيمان العجائز, فقلوبهم مُلأت إيماناً حقيقياً صافياً من الأسلاك المُعقدة من التعريفات والجدليات, حسبي بأن الله سبحانه حين يحاسبني على عقيدتي لن يسألني عن تعريف توحيد الربوبية, إنما عن مدى يقيني بهذا التوحيد.
 
كان الفخر الرازي حين ينصرف من إلقاء دروسه في المسجد يشيّعه المئات من طلابه إلى بيته، يحملون الألواح ويسجلون جميع كلامه وحركاته، حتى قيل أنه إذا عطس كتبوا عطس الرازي! فمر ذات يوم وهو في موكب من التلاميذ على امرأة عجوز فقالت متعجبة: من هذا الذي يمشي في موكب من المئات؟ فالتفت إليها أحد تلاميذه فقال: هذا الإمام الرازي الذي يملك ألف دليل ودليل على وجود الله، فقالت العجوز: والله لو لم يكن له ألف شك وشك لما كان لديه ألف دليل ودليل! فسمعها الرازي وقال: اللهم أسألك إيماناً كإيمان العجائز!
 
وفي براءة إيمان العجائز ما
لم يستطع للفتى شرحاً تفلسفه
طلال

Talal Alkhedher
طلال الخضر

@talkhedher

دعني أقطع عنقه يا رسول الله

3 comments »

الحمد لله أن أمة محمدٍ تحب محمداً، وأن أمة محمد لا ترضى على محمد، وأن أمة محمد كلها فداء لمحمد، صلى الله عليه وسلم.

جميعنا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نزايد على أحد بذلك ولا يزايد أحد علينا ، بغض النظر عن اختلاف سُبل التعبير بالحب، إلا أن شعور الحب واحد، وللناس فيما يعشقون مذاهب. فالذي قتل السفير الأمريكي غضباً لرسول الله، حبه لرسول الله كالذي اعتصم سلمياً أمام السفارة بكل رقي وأوصل رسالة حضارية عن الإسلام للعالم، وحبه أيضاً لا يزيد على من سمع بأمر الفيلم المسيء فاستحى أن يثير الموضوع وينبه الآخرين بها حشيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هؤلاء يحبون رسول الله.

 .

إلا أن الأمة حين يُساء لنبيها صلى الله عليه وسلم، فهي أمام طريقين: إما أن تستثمر الإساءة لصالحها وترد رداً حضارياً وتقف وقفة غضب متزنة توصل بها رسالة للعالم أنها أمة متديّنة تقدس رسولها، وتغتنم الفرصة لدعوة العالم إلى أخلاق دينها التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإما أن تقوم بتجاهل متعمد للإساءة -على رغم ألمها- بغية إحباط محاولة من أراد انتشار إساءته وإثارة غضب المسلمين. وأنا أميل إلى الطريق الثاني إذا كان انتشار الاساءة محدود والمسيء إليه شخص مغمور، وإلى الطريق الأول إذا كان انتشارها واسع وسَمِعها القاصي والداني.

 .

   قد يقول قائل: وأبن عزة الاسلام؟ وأين ما ورد عن إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن زهير وابن خطل وابن أبي السرح الذين هجوا النبي وشتموه؟

هنا يجب التفريق بين أن يكون المسيء تحت سلطان دولة المسلمين أو تحت سلطان غيرهم، فإن كان تحت سلطان دولة المسلمين فيكتم على إساءته ويُحرص على عدم تناقلها ويعاقب هو وحده بعيداً عن الزعزعة، وإن لم يكن تحت سلطانهم فلا سبيل لنا إليه.

وهذا ما كان مع هؤلاء الذين هجوا رسول الله، فقد أمر رسول الله بإهدار دماءهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وكان ذلك بعد فتح مكة وسيطرة المسلمين عليها وخضوع جميع من فيها تحت سلطان النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للنبي سلطان على كفار مكة الذين كانوا يشتمونه قبل الهجرة ولم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بإهدار دماءهم حتى لا تكون فوضى وفتنة.

 .

وإن مما يثير الغرابة أنه لم يرد الرواة ولم يذكر التاريخ أي بيت شعر في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم، بالطبع ورد أنه تم هجاؤه من كثير من الكفار، لكن أين ما قالوه؟ لقد ذكر الرواة قصيدة كعب بن زهير في مدح النبي واعتذاره إليه، لكن أين قصيدته في هجاءه؟ أيعقل أن أحداً من رواة الصحابة ورده المديح ولم يرده الهجاء؟ أين حفظة الشعر الذين حفظوا لتاريخ العرب أشعار الجاهلية.. ألم يذكر أحدهم بيتاً واحداً في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنها حشيمة الصحابة والرواة رضوان الله عليهم لنبيهم وأدبهم الرفيع معه، إذ كانوا يسمعون ما يضيق له صدورهم من إساءات جمة لحبيبهم صلى الله عليهم وسلم فيوصدون آذانهم عنها ولا يحدثون بها. كان يقول عمر بن الخطاب: أميتوا الباطل بهجره.

 .

وفي الحين الذي يسمع عمر رضي الله عنه إساءة عبدالله ابن أبي بن سلول للنبي عليه الصلاة والسلام يقول: دعني أقطع عنقه يا رسول الله! يأبى رسول الله ذلك، لأن الله تكفل بالذود عن نبيه وتكفل بعقاب المستهزءين “إنا كفيناك المستهزءين،* الذين يجعلون مع الله إله آخر فسوف يعلمون* ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون* فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين* واعبد ربك حتى يأتيك اليقين*”

هكذا ربّى الله نبيه، بالأعراض عن المستهزءين والاستمرار بالدعوة والعبادة.

 .

وهب أننا التفتنا لكل معتوه كافر آراد النيل من نبينا ولن ينال منه، أي أمة نحن التي لا تحيا إلا إذا أهين نبيها؟ أي أمة نحن التي لا تعيش إلا على ردات الفعل؟ ألا ينبغى أن يكون كل فرد منا منشغلاً بحقل من حقول الدعوة ونهضة الأمة ومصالح الأنام؟ كم استنزفت ردود الأفعال طاقات المسلمين بلا جدوى حين نجح المستهزء باستفزاز مشاعرهم. إن الفعل هو الأصل وردات الفعل استثناء، فلا ينبغي أن نقوم بردة فعل إلا لشيء يستحق ذلك ويكون رد الفعل بالقدر المناسب له وبالاخلاق المناسبة.

 .

إن كرهنا القديم لأمريكا بسبب جرائمها الهمجية في العراق ولوقوفها المشين مع إسرائيل وموافقها الأنانية المتكررة التي تطغى فيها أطماعها والسعي لمصالحها بخلاف مبادئها التي تتشدق بها يجعلنا أكثر اندافعاً لتعليق الاتهام على رقبتها، ولنكن موضوعيين، في هذه القضية، لا تستطيع أمريكا ولا أي دولة إيقاف كل معتوه يرفع مقاطع الفيديو المسيئة على اليوتيوب. وإن إستنكار المسؤولين الأمريكيين والكنائس الكبيرة للإساءة على رسولنا ولو كان تصريحاً لسانياً واعتقال منتج الفيلم في لوس أنجلوس أمر يجب أن يُقدّر ويجعلنا نوجه الاتهام إلى صاحب الاتهام الحقيقي، لا الإصرار على تفريغ الغضب غير المنضبط على من له يد ومن ليس له.

 .

الغريب أننا في الوقت الذي يشاد بنا على الثورات السلمية الحضارية التي أثبتت جدواها في التغيير، لا أدري مالذي حصل لنا اليوم من تشنج وانفلات للأعصاب. وهنا ينبغي أن أشيد بالمواقف الاحتجاجية المتزنة التي حصلت في الكويت وبعض الدول الإسلامية الأخرى التي تمثلت باعتصام منضبط أمام السفارة الأمريكية -بالرغم من عدم تورطها اليوم بذلك- وتقديم رسالة حضارية للعالم بأننا نحب نبينا صلى الله عليه وسلم.

.
مواقف كهذه لاينبغي أن يمسك زمامها المنفعلين، ولا يجري خلف انفعال المنفعلين العاقلون، وأفهم تماماً مصير العقلاء من الساسة والدعاة فيما لو خالف أحدهم التيار الغاضب أثناء فورة غضبه وطرح طرحاً هادئاً متزنا لربما اتهم بالعمالة وخسر سياسيا وشعبيا، ولكن لابد أن يقول العقلاء كلمتهم ولو كان ذلك على حساب الـ”unfollow”، خصوصاً هؤلاء العقلاء الذين رأيتهم متواجدين في ساحات الاعتصام وأعلم تماماً رأيهم الخاص الذي يميل إلى تهميش الاساءات. أما الغضب فإما أن يستثمر لصالحنا ويجعلنا أكثر تمسكاً بهدي رسول الله واتباع سنته ويدفعنا إلى المزيد من الجهد في سبيل نهضة أمته وإما أن لا نغضب.

الإشكال بين المفكرين والفقهاء

No comments »

الإشكال بينهما ليس حديثاً, فطالما كان هناك جدل بين الأصوليين والفلاسفة المسلمين حول صلاحيات المجال والتخصص, وتعدّي أحد الطرفين على تخصص الآخر أو حصره في إطار ضيّق.

انتقل الجدل من الفلاسفة إلى المفكرين, بالأخص المفكر الإسلامي الذي من لوازم تخصصه التطرق إلى مسائل شرعية التي تتعلق بالكلّيات, سواءً كان يُعمل عقله فيها ويجتهد أو أنه ينقل أقوال الفقهاء فيها أو يرجح ويختار أحدها. وهذا ما يثير حفيظة السادة العلماء الفقهاء ورأي العامّة أيضاً ويعتبرونه تدخلاً في اختصاصهم أو قفزاً على مقام الإفتاء بغير علم, ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.

والعكس أيضاً حين يتطرق بعض الفقهاء إلى  قضايا الفكر من وجهة نظر شرعية بحتة كنهضة الأمة ونظام الدولة في الإسلام ومعالجة التخلف الاقتصادي والتعليمي ويختزل سبب انحطاط الأمة في الضعف الإيماني وترك الجهاد وحب الدنيا!

وهذا الإشكال حتماً لا يقع في فخه الراسخون في العلم من العلماء الربانيين المتمكنين في أصول العلم والمدركين لحقيقة الواقع والمتفهمين لأدوار الآخرين في ميدان خدمة الدين, ولا يقع فيه المفكرون الكبار المخلصين المتمكنين.

تحرير المصطلحات:
يظل هناك إشكالاً ولبساً بين الفريقين الكريمين, نحاول أن نسلط عليه الضوء ونبين ملامحه ونحرر وجه النزاع ولعلنا نبدأ بتحرير المصطلحات: المفكر, الفقيه, العالم

نقصد بالفقيه: هو الأصولي المتخصص في الفقه الذي يملك آله الاجتهاد والإفتاء في الحلال والحرام الذي “يستفرغ وسعه” في طلب الظن في الشيء من الأحكام الشرعية كما أشار الآمدي في تعريفه.

وعلى الرغم من شحّ التعريفات للمفكر وتعذر وجود تعريف جامع مانع, فإني مضطر لاختيار تعريف الدكتور عبدالكريم بكار لقربه ولتفرده مع بعض التعديل. المفكر هو الذي يُعمل عقله في صناعة المفاهيم العامة والكلّية وبلورة الرؤى واستخلاص العبر وكشف السنن ونقد الواقع وتشخيص الأزمات في الساحة الإجتماعية أو السياسية.

ولو أضفنا إلى المفكر صفة “الإسلامي”, فهذا يعني أن هذا المفكر قد ألزم أفكاره بموافقة الشرع, فهو إذاً قد يكون ذو ثقافة شرعية واسعة, ويكثر المطالعة في التاريخ الإسلامي –بالإضافة إلى تاريخ الأمم الأخرى- ويستوحي الأفكار والمفاهيم من التراث النبوي والراشدي وغيره ولن يرضى بأي حل لإصلاح المجتمع إلا أن يكون موافقاً للشرع. وهذا قيد قد لا يلزم المفكرين الآخرين أنفسهم عليه فيطرحون أفكاراً لا يشترط موافقتها للشريعة سواء كانت أفكاراً وحلولاً جيدة أم لا.

العالِم: هو شخص برع في تخصص من التخصصات حتى فاق أقرانه وتفوق عليهم, وقد درج إطلاق هذا اللقب على المتخصص في علوم الشريعة, وهو كذلك, وقد يطلق أيضاً على عالم الجغرافيا والكيمياء والطب وعلم النفس وغيره.

العلماء وأهل الذكر في القرآن:

وقد يقول قائل, أن لفظ “العالِم” قد تُطلق هكذا اصطلاحاً على غير الفقهاء من أهل علوم الدنيا, أما مراد الله في القرآن على “العلماء” “وأهل الذكر” لأهل العلم بالدين فحسب.

نرجع لتفسير قول الله “إنما يخشى الله من عباده العلماء” ونجد أغلب التفاسير تحوم حول أن العالم هو الذي أوصله علمه لمعرفة الله وخشيته, فالضابط هو الوصول إلى الله, فهو عالم الدين الذي تعلم أسماء الله وصفاته, ورأى حكمته في التشريع لما يصلح للإنسان, وعلم جنته وناره فخشي أن يعصيه, وهو عالم الفلك الذي تبحر في إعجاز خلق الله في المجرات والأجرام السماوية وكيف يسبح كل منها بدقه في مسار لا انحراف فيه فعرف أن وراء ذلك رباً عظيماً فعبده وخَشِيَهُ, وهو عالم الطب “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” الذي يعلم تفاصيل خلق الله في الإنسان من خلايا دموية وشرايين وأعضاء وأجهزة حساسة تقوم بوظائفها دون إرادة الإنسان, فعَلِم رحمة الله وحكمته فخافه واتقاه, وهو عالم التاريخ الذي طبق قول الله “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم” ففهم عواقب الأمم المؤمنة التي نصرها الله والأمم الكافرة  التي خسف بها والأمم الجاحدة التي أرسل عليها سيل العرم, ورأي كيف يعيد التاريخ نفسه واستوعب سنن الله في التاريخ وأدى به ذلك إلى التسليم لله بالخوف منه, كل هؤلاء علماء, قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَاده الْعُلَمَاء ” قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير, وَعَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْعِلْم عَنْ كَثْرَة الْحَدِيث وَلَكِنَّ الْعِلْم عَنْ كَثْرَة الْخَشْيَة, عَنْ مَالِك قَالَ : إِنَّ الْعِلْم لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَة وَإِنَّمَا الْعِلْم نُور يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب.

أما “أهل الذكر” فجاءت في موضعين, في سورة النحل وسورة الأنبياء, وأهل الذكر المقصودون في هذين الموضعين هم أهل الكتب السابقة من أهل التوراة والإنجيل, فقد كانت قريش تنكر على الرسول صلى الله عليه وسلم أن بعث الله بشراً رسولاً, فدعا الله المشركين أن يسألوا أهل الكتب السابقة إن كان الله بعث لهم رجالاً أم ملائكة “وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزُبُر” عَنْ مُجَاهِد: فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر قَالَ : أَهْل التَّوْرَاة, وقال ابن عباس: هم أهل الكتب الماضية.

ويتضح أن تفسير أهل الذكر لا يخدم موضوعنا ولا يحدد مواصفات العالم, كيف لا وهو يعني غير المسلمين أصلاً, وإن كان يسأنس البعض بالآية ويجعلها مَثَلاً لأن يسأل الإنسان أهل الاختصاص إن كان لا يعلم ولا حرج في ذلك, لكنها قطعاً لا تعني أهل الفقه.

الإمام الشافعي وعلوم الدنيا:
ومما نُسب إلى الإمام الشافعي بيتان أرجو من الله ألا يكونا له, يقولان:

كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ
إلا الحديث وعلم الفقه في الدين

العلم ما قال أهلم العلم “حدّثنا”
وما سوى ذاك وسواس الشياطينِ

وأنا أستبعد أن يكون ذلك له وإن دُرجا في ديوانه, لأنه ثبت عنه أنه قال: “أشرف علوم الدين الفقه, واشرف علوم الدنيا الطب” فالأمام الحجة الشافعي أوسع فهماً وأبعد نظراً من أن يعتبر علوم الدنيا النافعة وسواس الشياطين, ولو افترضنا نسبته له فكلٌ يُؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

نعود إلى الفقيه والعالم والمفكر, ونستخلص أن كلا المفكر والفقيه علماء, يتفاضلان بحسب قربهما من الله وخشيته, على افتراض أن الفكر علمٌ من العلوم يقوم بدراسة المجتمعات ويعالج إشكالاتها ويحلل أسباب ضعفها وقوتها ويضع الحلول الدنيوية لنهضتها, والحلول الدينية إن كان مفكراً إسلامياً.

موضع النزاع:

          ولعل الإشكال بين المفكر والفقيه الأصولي تقع في أحدى أو بعض أو جميع هذه الأسباب الستة:

1-    سوء الظن بينهما, وسوء الظن ليس راجع لتباين علمي إنما هو إثم في صدور المؤمنين نابع من ريبة وشيء من هوى, وهذا مالا يقع فيه الراسخون في العلم. فمن لوازم المفكر الاطلاع على الحضارات الأخرى, الماضية والحالية, لا سيما الحضارات الناجحة التي هي اليوم بلا شك الحضارات الغربية امريكا والأوروبية العلمانية النصرانية, أو الحضارات الشرقية اليابانية والكورية الشيوعية البوذية, وقد يحتاج المفكر أن يقيم فيها لسنوات ويستفيد منها, وهذا ما قد يجعله يبدو متغرباً أو مغسول دماغيا لمن لا يعي هذه المعادلة. والفقيه الأصولي من لوازم علمه التعمق في التراث الفقهي الشرقي البحت, فهو حتماً لن يجد الفقه في التراث الغربي, ولن يحتاج التغرب في طلب العلم إلا داخل إطار بقاع الإسلام, وهذا ما قد يجعله يبدو منغلقاً. وهنا يفقد المفكر الثقة بالفقهاء الذين لا يستوعبون ما يحاول أن يطرحه من أفكار رآها في غربته وتصلح لخدمة الأمة ويفقد الأمل فيهم أن يكونوا سببا ً في نهضة الإسلام, ويفقد الفقيه الثقة والأمل بالمفكر الذي يرى فيه الابتداع بإلادخال في الدين ما ليس فيه والانبهار بالغرب ودس السم بالعسل والإتيان بإسلام أمريكي!

2-    دخول طرف في حمى تخصص الآخر, كأن يتحدث المفكر عن المسائل الشرعية ويتحدث الفقيه في المسائل الفكرية وهذا من أكثر ما يُلبس عليهما فيه. وهنا نقول أن الخط الأحمر أن يجتهد طرف في غير تخصصه وأعني بالاجتهاد التفرد برأي مستقل والترجيح بين ألآراء المختلفة, أما أن يستشهد المفكر مثلاً بأقوال الفقهاء في مسألة ويسرد أدلتهم هم لا أدلته هو فيها فهذا نقل لا اجتهاد, وهو مقبول بل هو من ضرورات كل العلوم التي يرتبط بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً, فمن لوازم الفقيه المجتهد أن يحيط بالنحو, وقد لا يكون مجتهداً في النحو إنما يكفيه الإحاطة به ويسعه الاستشهاد بأقوال أهل النحو دون الافتاء فيه, وكل العلوم على ذلك.

3-    المسائل المشتركة بين التخصصين. كثيرة هي المسائل التي يتقاطع فيها الفقه والفكر, كمسائل الحريات ونظام الدولة وقضايا الإعلام والاقتصاد والفن, وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى, وليلى تقرّ لكلاهما بذاكَ, على افتراض أن الفقيه هنا يكون مُلمّا بواقع هذه القضايا إلماماً تاماً يُمكنه من إنزال الحكم الشرعي الواقعي عليها, ويكون المفكر مُلمّاً بالأحكام الشرعية وأقوال العلماء –في هذه المسائل- إلماماً يُمكنه من التفكير وطرح الحلول داخل إطار الشرع.

4-    عدم اعتراف طرف لدور الآخر. للأسف هناك من المفكرين من لغى دور العلماء في نهضة الأمة أو حصر دورهم في المسائل السطحية وادّعى أن الشريعة لا تحتاج إلى علماء وأن فهم الكتاب والسنة متيسر لكل مسلم دون وساطة أهل العلم, وفي المقابل أنكر بعض الفقهاء دور المفكر واعتبرو الفكر هرطقات وتنظير بلا تطبيق, وأن كل ما يقوم به المفكر يستطيع الفقيه أن يقوم به, وكل الحلول لمشاكل الأمة موجودة في الشريعة و”كل الصيد في جوف الفرا”. وأن كل طرف قادر على القيام بدور الآخر.

5-    عدم وضوح متى يكون المفكر مؤهلاً للفكر. وهذه المشكلة قد يكون سببها أنه لا يزال لا يوجد تعريف جامع مانع للمفكر ولا خصائص محددة لدوره فدخل تحت اسم “مفكر” كل من هبّ ودبّ. فأزعج ذلك الفقهاء كما أزعج المفكرين وغيرهم. والذي يخفى على هؤلاء أنه كما للفقه “آلة الإفتاء” لا يملكها إلا من هضم الأصول, فإن الفكر له “آلة النقد” أو “آلة التفكير النقدي” كما أصفها, لا يملكها إلا من هضم علم المنطق والفلسفة وتبحر في علم الإجتماع والتاريخ, وإن كان “مفكراً إسلامياً” فأضف عليها العلم بالأصول والمقاصد.

6-    قد يكون الفقيه مفكراً, والمُفكر فقيهاً -وهذان اسطورتان لو وُجدا- ويكون أحدهما قد اشتُهر بتخصص دون الآخر بالرغم من تمكنه بالتخصص الآخر, كأن يكون أغلب أطروحاته ومؤلفاته في تخصص دون الآخر ثم يفاجئ الجمهور بالتعليق على أمر في إطار التخصص الثاني, فيُلام ويهاجم على التكلم بغير فنّه. وحتى نقطع حبل التلاعب في هذا, يجب على المفكر أن يُزكّى من “أهل الفكر” كما يًزكى الفقيه من مشايخه الثقات, وهذه ثغرة كبيرة لا تزال مفتوحة في باب الفكر, فيدخله أي أحد يدّعي أن لديه أفكاراً إصلاحية جيدة, وقد يكون كذلك, لكنه لم يفتح كتاباً في المنطق ولا في علم الاجتماع فكيف يكون له “آلة الفكر”؟ يحتاج المفكرون لإدراج الفكر في الجامعات أو المعاهد كتخصص علمي قائم بذاته تمنح لمجتازيه شهادة تثبت تمكنهم من العلم وتؤهلهم لمزاولة الفكر, لا احتكاراً لحرية التفكير, بل احتراماً للتخصص.

لعل هذه أبرز أسباب الصراع بين الفقهاء والمفكرين, لو استوعبها الطرفان ربما قلّت حدة التوتر بينهما, ولسنا مع أحد ضد الآخر, وقد عرفنا قيمة العلماء الفقهاء الأجلاء ودورهم في الأمة وفضلهم في الإسلام, وقيمة المفكرين وضرورة دورهم في هذا الزمان التي تتصارع فيه الأيدلوجيات وتتسارع فيه انتقال المعلومات, ونهدف أن يقوم كلٌ منها بدوره لنهضة الأمة وقيام حضارةٍ أصيلة متقدمة.

طلال الخضر

8 يوليو 2012

أتاني هواها

23 comments »

lightbrain

ماذا لو وُلدت نصرانياً؟ أو يهودياً؟ أو مجوسياً؟ ما نسبة احتمال تحولي إلى الإسلام؟

لا شك أن ولادتنا على الإسلام هي أعظم نعمة منّ الله بها علينا.. هذه النعمة باختصار تنجيك من النار وتدخلك الجنة.. ونحن اليوم مسلمون لمجرد أننا وُلدنا على الإسلام وتربينا على الإيمان به والتسليم له. وكذلك النصارى واليهود والمجوس وغيرهم.. فقد اعتنق كل منهم عقيدته لأنها أول عقيدة تلقاها وأول دين سبق إلى عقله. ولا أشك أن إيمان المجوس بنارهم لا يقل عن إيماننا بالله.. فكلانا لا نقبل نقاشاً في ذلك.

ليس الدين فقط.. بل حتى المذاهب و الأيديولوجيات والأفكار والقناعات التي نحملها والمبادئ التي نؤمن بها والآراء التي نعتبر بعضها من المُسلّمات التي لا تقبل نقاشاً.. في غالبها ترسّخت في أذهاننا لأنها أول أفكار سبقت إلى عقولنا.. لذلك تجد أغلب من يحمل التوجه السلفي مثلاً, سلفي لأن الفكر السلفي هو أول فكر تبناه ونشأ عليه, أو أول من تعرف عليهم في المسجد هم من السلف, كذلك من حمل الفكر الليبرالي, قد تبناها لأنه ربما نشأ في بيت ليبرالي, أو أن أول صحبة له كانوا ليبراليين, أو أنه درس في مدرسة أجنبية.. كذلك السنة والشيعة وباقي المذاهب والتوجهات والأيديولوجيات المنظمة والمستقلة.. لم يجتهد معظم أصحابها كثيراً في معاينة توجهاتهم ومقارنتها مع غيرها قبل اختيارها.

إن الفكرة الأسبق إلى العقل, هي التي يكون لها الحظ الأكبر في البقاء فيه.. إذ أنها حين وصلت إلى العقل كان العقل خالياً حينها من أي فكرة سابقة مخالفة لهذه الفكرة, لذلك لا يقاوم العقل في تبنيها وسرعان ما تجد لها مكان فيه.. وبعد ذلك يصعب دخول فكرة أخرى مخالفة إذ أن المكان ليس شاغراً.. كما هو الحب تماماً كما وصفه مجنون ليلى حين قال:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلباً خالياً فتمكنا

إن عقل الإنسان وعاء فارغ, إن ملأته ماءً, لا يمكنك أن تملأه بعد ذلك عصيراً أو حليباً.. إلا إذا أفرغت الماء أولاً.. ولكن امتلاء الماء في البداية كان عملية سهلة إذ أن الوعاء كان فارغاً حينها.

يعز علي كثيراً أن أشكك بأفكاري وقناعاتي التي أظن أنها مُسلّم بها, لاسيما عقيدتي التي أُمرت يكون إيماني بها عميقاً في قلبي.. لكنني ربما نسيت أنني أُمرت أن أتفكر بها عقلياً قبل ذلك أيضاً.. فإن الإسلام دين عقلاني ومنطقي والحكمة فيه ظاهرة.. والدعوة إلى الإسلام في القرآن الكريم أغلبها دعوة لاستخدام العقل للوصول إليه, إذ أن الإيمان القلبي يكون لاحقاً لمرحلة اليقين العقلي: أفلا تعقلون, آيات لأولي الألباب….

من منا يملك الشجاعة أن يجلس جلسة صريحة مع نفسه, يُفرّغ فيها كل أفكاره ومعتقداته المترسّبة في رأسه ويضعها على طاولة النقد, ويعيد النظر بها بكل تجرد وموضوعية.. ثم يعيد إلى رأسه ما كان صالحاً من الأفكار ويرمي ما كان فاسداً.. أو ربما يطور ويعالج ما يحتاج إلى تقويم بسيط ثم يعيده إلى رأسه أيضاً.. هذه العملية تسمي المراجعة الفكرية.

ليست دعوة للشك, إنما دعوة للتيقن.. فإذا كنت أزعم أن معتقداتي صحيحة, فإن مراجتعها والتحقق منها إما أن يكشف لي خطأها فاصححها أو أتراجع عنها, أو يثبت لي صحتها فأزداد يقيناً بها.. وفي كلا الحالتين أنا الفائز.

قد كان النبي صلى الله عليه وسلم مُستعداً للتراجع عن الدين لو ثبت له عدم صحته, ويبدو ذلك مستغرباً على من لم يعي الخطاب القرآني الذي أثبت حوارات النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار, فعندما ادعى الكفار أن لله ولد -سبحانه- كان الجواب “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” فإذا تبين صحة ادعاكم فالنتيجة هي “قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول العابدين“.. ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لولا يقينه بالله وبما أُنزل عليه, فهو يقول ذلك من منطلق القوة, والقوي لا يخشى من ذلك.

وقد يقول قائل: نخشى على الناس إن فكروا في معتقداتهم أن ينحرفوا فيكفروا!
نقول: أن الإسلام لم يأتي بما لا تعيه العقول البشرية,ولَمْ يَمْتَحِنَّا بما تعْيا العُقولُ بِهِ *** حِرْصاً علينا فلمْ نرتبْ ولَمْ نَهَمِ ,فحكم الشريعة كلها ظاهرة ما عدا العبادات.. فمن رأى قصوراُ في عقله فليلزم إيمان العجائز, فعملية المراجعة الفكرية هي لأصحاب العقول الكبيرة.. ليستيقن الذي أوتوا الكتاب ويزداد الذين أمنوا إيماناً.. فمن منا لديه الاستعداد لذلك؟

أنا أدعم ملف قطر

15 comments »

Qatar_2022_bid_logo

ليس لهذه الدرجة أعشق كرة القدم.. ولست متعصباً لنادي معين ولست الذي يحفظ أسماء اللاعبين ومواليدهم وسياراتهم وماركات “لوابشينهم” ومدخولاتهم الشهرية.. ولكنني عشت أجواءً رائعة في أستاد خليفة الدولي الذي شهد مباراة منتخبي البرازيل والأرجنتين ثاني أيام عيد الأضحى المبارك.. وتأتي هذه المباراة لترويج ملف قطر في اجتماع الفيفا القادم لاستضافة بطولة كأس العالم 2022.. وعلى أية حال لم أكن مستمتعاً باللعب الجميل ومهارات ميسي ورونالدينهو فحسب.. بل كانت المتعة بالحدث كله بشكل عام.. التنظيم الرائع, منظر الجمهور الغفير, أستاد خليفة الدولي الذي كان تحفة كروية رائعة من حيث جمال التصميم وضخامة المساحة وسعة المداخل والمخارج, الكرنفال الكبير خارج وداخل الملعب قبل بدء المباراة والعروض والمطاعم والخدمات.. لقد كانت ليلة ساحرة بكل ما تحويه من معنى..

الذي يهمني في الموضوع ليس “الكرة” -جلدة الحمار المتفوخة على قولة ربعنا- ولكن استضافة كأس العالم يعني بناء دولة جديدة.. يعني إعادة بناء البنية التحتية من جديد, يعني إعادة تخطيط الشوارع والطرق التي تتحمل سير آلاف الجماهير, يعني إنشاء الفنادق والمجمعات والمطاعم والمرافق السياحية التي تليق بدولة مستضيفة لكأس العالم, ويعني أيضاً الحرص على تنظيف الشواطئ  وتجميل الشوارع وفرشها بالورود والأشجار, ويعني كذلك بالضرورة تعزيز القوات الأمنية وتجهيز المشتشفيات .. ناهيك عن تهيئة الاستادات الرياضية المحترمة من حيث جودة الملاعب وسعة مقاعد الجمهور وجمال تصميمه ثم إعداد منتخب ينافس على بطولة كأس العالم.. هذه مكاسب كبيرة حتى لو لم يحالف قطر الحظ باستضافة البطولة.. أنا أحترم هذا التوجه.. أدعموا ملف قطر 2022..

أما الكويت.. فهي لا شك درة الخليج..

* * * * *
سفرة عيد الأضحى إلى دولة قطر..

طاقم الرحلة..

IMG_0444
نائب رئيس الوفد ورئيس اللجنة الثقافية – عبدالله الفيلكاوي

IMG_0555
رئيس اللجنة الإعلامية والناطق الرسمي باسم السفرة عمر صلاح العبدالجادر

Most Wanted 400,000 DK
IMG_0384
رئيس اللجنة المالية ورئيس اللجنة التربوية – أحمد جاسم القصار

IMG_0449
طلال عثمان الخضر يتابع تعليقات ضيوف المدونة :)

IMG_0337
أستاد خليفة في مبارة البرازيل والأرجنتين

IMG_0424
في سوق واقف مع حضرة الضابط- يعجبني التزامهم بزي الشرطة القديم في هذا السوق الشعبي

IMG_0429
التحف الأثرية في السوق.. وأحبها وتحبني ويحب نقتها بعيري

IMG_0468
لا تسألني شلون صدت هالصورة في كرنفال سوق واقف اللي استمر طوال ايام العيد.. بذمتك في أمل يصير عندنا كرنفال بسوق المباركية يا ولد الحجية؟

IMG_0479
أحلى خبز رقاق مع جبن كيري وشطة بريالين

IMG_0503
استكانة شاي وكوب موكا مع الدكتور عصام تليمة في اللؤلؤة

IMG_0668
استضافة في بيت الدكتور والمحلل السياسي محمد المختار الشنقيطي مؤلف كتاب الخلافات السياسية بين الصحابة والكاتب في موقع الجزيرة.نت

IMG_0509
سهرة باربيكيو على الطعس في منطقة سيلين جنوب قطر في ضيافة أخوي الغالي طلال التميمي.. أنعم الله عليك يا بوعبدالعزيز

IMG_0549
PinkBerry- Qatar

IMG_0563
متحف الفن الإسلامي- مشروع إسلامي تراثي روعة

IMG_0707
جلسة شاعرية على كراسي حديقة أسباير :)

IMG_0684
وهذه التحفة المعمارية هي المسرح الروماني في الحي الثقافي.. وفي الصورة الأخ الرائع مايسترو السفرة خالد النعمة  من الدوحة

IMG_0539
وأخيراً.. هذي سيارتنا اللي ما قصرت معانا.. ودتنا ويابتنا بسلام.. وواضح عليها شعار الراعي الرسمي للسفرة قائمة المتحدون

* * * * *

أما ما فاتني في قطر.. هو الوقوف على أطلال أمير الموت وشاعر الخوارج جهونة بن يزيد بن زياد المازني التميمي المعروف بقطري بن الفجاءة الذي سكن قطر ومات فيها 68 للهجرة وحارب جيوش بني أمية وجيش عبدالله بن الزبير رضي الله عنه.. وكان مضرباً للمثل في البطولة والشجاعة.. غير أن شجاعته لم تكن في المنهج السليم ولا الفهم الصحيح للإسلام.. وهو الذي يقول في الأبيات المشهورة مخاطباً نفسه محرضاً إياها على الإقدام وعدم الخوف:

أقول لهـا وقـــد طارت شُعــاعاً *** من الأبطال ويحكِ لن تُـــراعي
فإنك لو طـــــــــلبت بقـــاءَ يومٍ *** على الأجلِ الذي لكِ لن تُطاعي
فصبراً في مجال الموت صـبراً *** فما نَيـــلُ الخلــــودِ بــمُستطاعٍ
سبيل المـــوت غايـةُ كـــلِ حيّ *** فداعِـيَـه لأهـــل الأرض داعـي
ومـا للمـــرء خيـــر في حيـــاةٍ *** إذا ما عُــدّ من سقـــط المتـــاعِ

وددت لو مررت على قبره, فأتلو عليه هذه الأبيات التي كتبتها بعد 1340 عام من أبياته الماضية:

تقـــول لها: أيا نفــسَ الشجـــاعِ *** من الأبطال ويحـك لن تـــراعي
وعقــلـك ما تقــــول له إذا مـــا *** رمـاك مع الصحابة في نـــزاعٍ؟
سبيل الموت تحت السيــف مجدٌ *** إذا ما كـــان في خير المــساعي
أيا قـُـطـْـري هل علمــت تميـــمٌ *** وهل سمع الخوارج عن يَراعي؟
بأنّي والــذرى أبنــــاء عـــــــمٍ *** كما أنا والنُهــــى أخـوا رضاع
فما خوف المنــية من طِبـــاعي *** ولا السيف المضللُ من متـاعي
ولا أصحابُ أحمدَ من خصومي *** ولا جُند الخوارج من (ضِيــاعي)

طلال 26/11/2010

 

ياسر.. خرج غير خاسر

24 comments »

 

كيف لشخص نكرة تافه طائش أن ينجح بإثارة الفتنة وشغل الناس وشد الانتباه إليه واستدراج المسؤولين والكُتّاب والخطباء والاعلاميين للنزول إلى مستوى السب والهيجان والاستنفار؟ بل كيف للعقلاء أن ينزلقوا وراء هذا التافه ويروجوا له من باب الرد عليه وإخراسه؟

إن غاية ما كان يريده هذا الفاجر أن يُسمع.. أليس كذلك؟ وأن يجرح آذان المسلمين بلعن أم المؤمنين.. وكان يريد أن يَسمع أكبر عدد من المسلمين ذلك.. وقد نجح وللأسف..

 أخذ الله ياسر وغفر الله لمن نشر كلامه ومقاطع الفيديو له عبر الايميل والبرودكاست.. فقد كانوا له خير مروجين .. وما كان ليجد ياسر “موزعين معتمدين” افضل منهم ولا مسوقين احسن منهم..

ماذا استفدنا من كل ذلك وقد عظمناه بين أصحابه .. ياسر اليوم بطلٌ عند متطرفي الشيعة.. وينتظر جميع المسلمين تصريحاته وآراءه في مختلف الميادين..

لكنها أم المؤمنين يارجل!!!!!
وكيف لا تريدنا أن نغضب ونهيج.. والكلام الذي قد قيل لا يقبله أحد على أهله ومحارمه.. فكيف به وهو يقال عن أم المؤمنين.. ولا يرضى بهذا القول من كان في قلبه ذرة من إيمان وغيره على أمه؟
وهذا كلام لا غبار عليه.. فإن الألم تشارك به كل من يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحب أهل بيته وأصحابه.. لكن الغضب لا ينبغي أن يعمينا ويزيد الطين بلة وأن يعمق الجرح أكثر.

إن المجانين كثيرون.. والذين يسبون القرآن ويتعرضون لمقدسات المسلمين كثيرون.. والذين يتعرضون لأم المؤمنين رضي الله عنها يومياً بالمئات.. ما عليك سوى أن تدخل غرف المتطرفين في البالتوك لتسمع بوفيهات من كلمات القذف وألوان من السباب والشتم من أجل إثارتك وجرح مشاعرك واستدراجك.. والذنب ذنبك إن دخلت وجلست واستمعت ولو كان بنية الرد عليهم.. وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا “

ولن تستطيع أن ترد عليهم وتلجمهم وتلاحقهم جميعاً.. لكنك تملك ألا تسمع لهم .. ولم يأمرنا الله عز وجل بالالتفات لهم  لأن هذا هدر للوقت والجهد والطاقات التي أوجب ما تكون أن تُصرف للأمة  والارتقاء بأفرادها والنهضة بحضارتها وتنمية مرافقها وتحرير أراضيها ودعوة الناس إلى دينها بالحكمة والموعظة الحسنة.. ويجب أن نفهم أن ما يقولونه أصحاب الفتنة جزء من مخطط على الإسلام لصرف أبناءه عن الجادة وتشتيت جهودهم ..

إن الله عز وجل أمرنا بالعمل.. وتكفل هو سبحانه بالدفاع عن أولياءه.. “من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب”.. ومن تعرض لولي من أولياء الله .. فهو خصيمه يوم القيامة..

تصلني يوميا رسائل برودكاست على وزن “استمع لما قاله إمامهم عن الصحابة” أو “شاهد ماذا يفعل النصارى بالقرآن”  ثم ذُيّلت الرسالة بـ”انشر فضائحهم جزاك الله خيراً” ولا أدري من يكون هذا الفارغ الذي أضاع وقته بالنبش وراء السفلة والمتطرفين؟؟!! ونحن نقول كفاكم نشراً لهذه الرسائل.. لا تسيئوا لدينكم بنشر كلامهم..توفقوا عن هذا النوع من البرودكاست ولا تقبلوا من أحد أن يرسلها إليكم وإذا وصلت إليكم لا تقرأوها وعاتبوا من أرسلها إليكم ..ولا فإنكم إذاً مثلهم!

ظهرت رسوم الدنمارك.. وذهب ياسر.. وأتى القس الذي هم بإحراق القرآن.. وسيأتي غداً غيرهم.. وفي كل يوم سيخرج لنا معتوه جديد.. فهل سنقضي أيامنا كلها ردود أفعال تجاه مجنون في الشرق وآخر في الغرب؟

فيا رعاك الله.. دع الكلاب تنبح.. والقافلة تسير

 

الباب الذي طرقه عمر الرفاعي

7 comments »

عندما قام أعضاء مركز الرواد للتدريب الشبابي يشرح كلُ منهم مجال حياته في خدمة الإسلام والمشاريع التي يطمح لتحقيقها.. وقف عمر الرفاعي ليخبرنا أنه يطمح بأن يكون مخرجاً سينمائياً وأن مشروع حياته أن يصنع السينما المحافظة -إن شئت سمّها السينما الأخلاقية أو السينما الإسلامية- وإنتاج الأفلام السينمائية الأجنبية أو العربية التي لا تختلف عن أفلام هوليوود في جودة التصوير والإخراج والإثارة وحبك القصة وروعة التمثيل.. إلا أنها توجه رسائل إسلامية تلميحاً أو تصريحاً, أو على الأقل أنها تمنتع عن إدخال المناهي الشرعية.
 
ربما لاقت فكرة عمر دهشة أو انبهاراً نوعاً ما بين إخوانه.. وذلك أن المسلمين ربما قد فطنوا في العشر سنوات الماضية لأهمية اقتحام باب الإعلام والقنوات الفضائية بعد أن أغلقوه وقاطعوه لسنوات طويلة.. ثم قاموا اليوم بمزاحمة أهل الفن بتقديم نموذج النشيد الراقي فنياً ومضموناً وربما تقديم بعض المسلسلات التاريخية كخالد بن الوليد والقعقاع بن عمرو الذي سيعرض في رمضان.. أما باب عالم السينما فلا يزال موصداً بأقفال من حديد لدى التيار الإسلامي.. وقد طرقه مصطفى العقاد في 1977 في فيلم الرسالة ولم يطرقه أحداً بعده إلى يومنا هذا سوى طرقات خفيفة هنا وهناك باطراف الأصابع!
 
عمر الرفاعي كان يطرق هذا الباب.
 
كان عمر يملك بعد نظر للأمور.. خصوصاً في مجال الإعلام الذي نسعى كمسلمين أن نرتقي به ونوجه به المشاهد العربي المسلم توجيهاً سليماً.. وكان عمر يدرك أن المرحلة القادمة تتطلب طرح البديل السينمائي الإسلامي – ولا أحب أن أسميه بـ”الإسلامي” تنزيها لمقام الإسلام ولنتفق أن نسميه بـ”الهادف” – وأن سلاح الأفلام السينمائية ذات أكبر تأثير  على آراء وقناعات الناس يجب أن يكون بأيدي من يحافظ على الآداب والأخلاق.
 
ونعلم جميعاً مدى سوء البيئة السينمائية الأجنبية والعربية ومدى الانحدار الأخلاقي فيها.. ومن اختار السينما مجالاً لحياته فلا بدّ له من الدخول في هذا المحيط والاختلاط بالفنانين والمخرجين وأهل الفن الذين لا أرتاح -شخصياً- لأخلاقهم.. وأتفهم تماما تورع أهل الصلاح من أبناء التيار الإسلامي من دخول هذا المجال خوفاً على دينهم وابتعاداً عن مواطن الفتن واتقاءً للشبهات.. وجزاهم الله خيراً على ذلك من جهة.. وهداهم الله من جهة أخرى.. إذ أن المسلم مأمور بمخالطة الناس والصبر على أذاهم.. ولو كان فهمنا لحديث “اتقاء الشبهات” هو الابتعاد عن أي موطن فيه فتنة أو شبهة.. لكُنّا أغلقنا على أنفسنا في البيوت أو حبسنا أنفسنا في المساجد.. بل قد تدخل علينا الفتنة حتى في المساجد.. بل إن الحياة الدنيا كلها لهو ولعب وزينة وتفاخر! ولا أعجب لصلاح شاب يقضي طوال وقته في المسجد مقتصراً علاقته بأهل التقوى فقط.. إنما أعجب لصلاح شاب يقضي وقته بين أهل اللهو واللغو.. يخالطهم ويدعوهم ويصبر على أذاهم ويمسك على دينه.
 
ولذلك نحن بين خيارين.. إما أن نترك السينما لأهلها ونحرم على الناس مشاهدة الأفلام من باب سد الذرائع كما هو حاصل الآن والتي حتماً لن يكترث المشاهد العربي لتحريمها.. وإما أن نزاحم أهل السينما فيدخل أهل الخير في هذا الوسط الفني ويحاولوا أن ينتجوا الأفلام الهادفة بالتعاون مع من يريد التعاون من الممثلين والمخرجين ممن قد يرحب كثيراً بتمثيل أدوار محترمة ذات توجيه لقضايا الأمة.. ويجتهد أهل الصلاح بالإمساك على دينهم وأخلاقهم والصبر على الابتلاء وفتنة الشهوات كما يصبر المجاهد على فتنة السيوف.
 
رحم الله عمر الرفاعي.. فقد كان ممن أحسبهم قابضين على دينهم وعلى سمتهم الإسلامي وممن أخلصوا نيتهم لله سبحانه وتعالى, وكان صاحب مشروع إسلامي عظيم, وقد فطن لثغر لم يسده أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. فمن يسد هذا الثغر بعد عمر؟
 
هذه دعوة للشباب ممن يبحث عن مجال يخدم فيه دينه وأمته ويجد في نفسه الميول الإعلامية.. للتأمل في هذا المشروع.. مشروع صناعة السينما الهادفة.. ويكمل ما تبنّاه عمر..
 
 

متى ينتصر الإسلام؟

13 comments »

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

IMG_0922

! عندما يعرف المصلون كيف توضع الأحذية على الأرفف المخصصة لها

 

 

صورة التقطتها بجوالي في أحد مساجد الديرة