يوم ميلادي الثاني

9 comments »

قبل ٣٦٥ يوم بالضبط.. صحوت من نومي وقد بُللت وسادتي بالعرق.. فلم تكن في غزة مكيفات -فضلا عن كهرباء- تنام تحت نسيمها البارد! 

لم يكن ذلك الصباح عادياً، فقد فتحت عيني هذه المرة في غزة، الأرض الصغيرة التي ما بها موضع ميلٍ إلا وبه قصف بطائرة أو تفجير بقنبلة الفسفور أو رشقة ببارجة.. وقد نمت ليلتها بقطعة أرض ما.. سلمت من هذا التدمير، ولم يسلم جيرانها.

وعندما يُقال أن كل إنسان يولد مرتين.. يوم تلده أمه ويوم يدرك مكنون الحياة.. فإني وُلدت في حينها ثلاث مرات-غير ولادتي البيولوجية الأولى- بعدد الأيام التي قضيتها في تلك الأرض.. وأشعر أنني بدأت أفهم الحياة وكأنني لم أكن أفهم شيئاً قبلها.. فليس طلال بعد غزة كطلال قبلها… كيف لا وقد مشيت بين ضواحيها شبراً شبراً.. فقيل لي: هنا استشهد محمد الدرة.. بالمكان الذي تقف عليه الآن يا طلال.. وهنا قُصف الشيخ أحمد ياسين بثلاث قذائف بالأباتشي فجراً وأسلم روحه شهيداً سعيداً.. وفي هذا الحي استشهدت عائلة السموني كاملة عن بكرة أبيها, 50 فرداً في لحظة واحدة وما بقي إلا طفلة.. وانظر لهذا الركام الذي كان مدرسة أو مسجداً أو بيتاً.. كان هنا مدرسة ومسجداً وبيتاً..

أنا اليوم إنسان مختلف.. خصوصاً بعد أن سهرت مع شباب المقاومة في الثغور على خط النار في حدود القطاع، شباب في مقتبل العمر يبعد عنهم معسكر العدو الصهيوني ٥٠٠ متر وقد أخذ كل واحد منهم مكانه وسلاحه على كتفه ولفّ الكوفية على وجهه، ويحمل في يده الأخرى كتابه المدرسي أو الجامعي، يذاكر منه لأن لديه اختبار في صباح الغد!

أنا منذ ذلك اليوم لست أنا.. بعد أن رأيت أن آخر اهتمامات شباب غزة ركوب البورش والرنج روفر ولباس الماركات والجلوس بزاوية مطلة على البحر بمطعم نينو! وتأتي أولى أولوياته أن يحرر أرضه ويتزع حريته ويحقق كرامته وكرامة أهل وطنه أو يحظى بشرف الشهادة في سبيل الله.. هذا هو التحدي الأكبر هناك.. أما هنا، فيا لغروري وإعجابي بنفسي لو قمت إلى صلاة الفجر في المسجد!

لست أنا طلال الذي قبل غزة.. بعد أن رأيت إصرار أحدهم لدعوتي للغداء في بيته، فلما دخلته فإذا هو مقصوف نصفه! ويقول بابتسامه: الحمدلله.. نصف البيت سليم! ولم يُقصف ونحن فيه!

***

قبل ٣٦٥ بالضبط لم أكن أتوقع أن تحدث كل هذه الأحداث العربية التي كان آخرها موت الوحش الشرير في ليبيا يوم أمس.. وقبله هروب رئيس من بلدته التي كان يحكمها لعقدين، وسجن رئيس في بلده التي كان يحكمها لثلاث عقود.. إن حدثاً بحجم واحد من هذه الأحداث كان يأتي مرة واحدة كل قرن في التاريخ.. لا أصدق أنها تجمتع كلها في أقل من سنة.. نحن اليوم نعيش من أكبر المنعطفات التاريخية.

***

الدهر اليوم يميل لصالحي

 

طلال الخضر

22 أكتوبر 2011

فنادق غزة.. 5 نجوم تحت الصفر

9 comments »

عند دخولنا إلى غزة قالوا لنا ستنزلون في فندق فلسطين في ضيافة الحكومة.. قلت جيد.. لم أكن أتوقع أن فيها فنادق.. وعلى أية حال وصلنا للفندق ودخلت غرفتي.. وأول ما هممت بفعله هو البحث عن زر الإنارة.. فوجدته بعد بحث وتلمس للحائط في الظلام.. فتحت الزر.. ولكن لم تفتح الإنارة! حاولت أن أفتح زراً آخراً فلم يفتح أيضاً.. فذهبت  لأفتح الأزرة الموجودة في الطرف الآخر من الغرفة.. ولم تفتح الإنارة أيضاً.. وبعد أن فتحت جميع الأزرة في الغرفة لم تشتغل سوى إنارتين.. أحدهما الأباجورة التي بجانب السرير.. والأخرى إنارة دورة المياه!
حصل خير.. أين التلفاز.. لابد أن قناة الجزيرة والأقصى تغطيان خبر دخول القافلة إلى غزة.. فضغطت زر التلفاز لكن لا حياة لما تضغط! إذاً ربما أستطيع متابعة الأخبار في الإنترنت.. لكن اللاب توب يحتاج شحن.. أين أقرب فتحة للكهرباء؟ أوصلت شاحن اللاب توب في الفتحة.. ولا حياة لكهرباء!
ماشي الحال.. يبدو أن الغرفة حارة قليلاً.. أين زر التكييف؟ فتقدمت نحوه وشفتاي تتمتم بالدعاء أن يكون سليماً.. مددت اصبعي وأنا أغلق عيناً وأفتح أخرى أملاً بسماع صوت المكيف..ضغطته.. فلم يعمل.. فقلت لنفسي:إلهى.. إلا التكييف!!!
طيب.. حصل خير أيضاً.. فمن أهداف زيارة غزة تربية النفس على التقشف والإحساس بمعيشة أهلها..
انسى موضوع الكهرباء كله.. أحتاج الآن إلى دوش عاجل.. فالسفر كان طويلاً.. والسيارة التي كنت أقودها لم يكن فيها AC.. فتحت الدوش ونزلت تحته كمن عاش طول الدهر ظمآن لم يصدر ولم يردِ.. فغرفت الماء ومسحت به وجهي فإذا بي أُصدم بالحقيقة المرة.. كان ماء البحر المالح ينزل من الدوش!

صادفت أحد موظفي الفندق في الممر.. فسألته عن مشكلة الكهرباء والماء كما يستجوب النواب وزير الطاقة.. فقال لي: أهلاً بك في غزة ياسيدي..
أما عن الكهرباء.. فتعاني غزة عجزاً يصل أحياناً إلى 60%.. بمعنى أنه لا يمكن تشغيل إلا 40% من حاجة غزة  للكهرباء.. وقد قسمت الحكومة الكهرباء بين مرافق وبيوت غزة بالتساوي.. ولذلك فالكهرباء الموصلة إلى فندقنا هذا لا يفي إلا بـ40% من حاجته.. وكنا بالخيار بين تشغيل التكييف الذي يستهلك طاقة كبيرة وبين تشغيل أباجورة وإنارة الحمّام.. واخترنا لك الإنارة حتى تصدم جدران الغرفة!

أما الماء.. فقد كان عندنا محطة لتقطير وتصفية المياه.. لكن قصفها الصهاينة في الحرب الأخيرة.. وللأسف لازالنا عاجزين عن إعادة ترميم المحطة لنقص مواد البناء ومنع دخولها إلى القطاع.. ذلك تأويل ما تسطع عليه صبرا!

 

***
آخر السطر:35759_443175260621_648920621_6476550_4505862_n
زرت أخي عثمان الفهد في المستشفى ليلة أمس.. وألقيت عليه نظرة من خارج غرفة العناية المركزة..
لم أصدق أن هذا المغيّب عن الدنيا هو حبيبي عثمان الذي تجمعني به غدوات وروحات وفجريات ودعوات بظهر الغيب
لم يكن الموقف سهلاً.. أسأل الله أن يلطف به

وما أبهرني إلا ثبات والده الذي كان واقفاً بجانبي ويذكرني بالله ويشد على يدي ليصبّرني.. ثم قال:
أنا راض بقضاء الله.. ولكنه حنان الأب لا أكثر
فإن عاش فهذا فضل الله سبحانه.. وإن أخذ الله أمانته فقد أسلمت لله ابناً حافظاً لكتاب الله..

ياالله.. لله دره من رجل

الفتاة الإيطالية التي دخلت غزة

13 comments »

37131_121385427920204_114082378650509_140638_1862209_nعند وصولنا  إلى معكسر الطلائع في مدينة اللاذقية السورية.. كانت الوفود الأوروبية لقافلة شريان الحياة قد سبقتنا إلى هناك, كذلك كان وفد المغرب العربي موجودا.. ركنّا سياراتنا التي أتينا بها من عمّان ثم سرت في جولة استكشافية للتعرف على مرافق المعسكر..

معسكر الطلائع: مدرسة عسكرية لطلبة الكشافة السورية, أشبه ما تكون بمزرعة كبيرة تتكون من غرف متجاورة تتكون من باب وشباك وأسرّة ذات طابقين, وفي الناحية الأخرى البعيدة توجد دورات المياه التي ربما تحتاج لأربع دقائق من السير لوصولها, وفي قلب المعسكر توجد المنصة الرئيسية المخصصة لقادة المعسكر والتي كان يستعملها أعضاء القافلة للاجتماع..
لا أخفيكم أن الوضع في المعسكر لم يكن مريحاً حيث أنه لم يكن مهيّأً لمتضامنين بينهم نساء وكبار سن.. ناهيك عن نظافته “المش ولا بد” وافتقاره لأساسيات وضروريات العيش.. ولا أخفيكم أن البعض اشمأز من المكان وقرر الذهاب إلى فندق.. أما باقي الأعضاء رأوا أنها “قازرة”.. على أمل أن المكوث في المعسكر لن يدوم أكثر من 3 أيام, فقريباً ما ستوافق السلطات المصرية للقافلة بالتحرك للعريش ومن بعدها ننطلق إلى غزة ونترك هذا المكان غير المريح.. لم نكن نعلم حينها أن مكوثنا في المعسكر سيمتد إلى 3 أسابيع انتظاراً للموافقة!

وعلى أية حال.. كنت حريصاً على التعرف على أكبر عدد ممكن من أعضاء القافلة من المشرق والمغرب العربي خصوصاً المتضامنين ا72398_147406205304053_117840051594002_259483_7117390_nلأوربيين الذين كان لي فضولاً كبيراً لمعرفة سبب تضامنهم مع غزة.. فلذلك دعوني أعرض لكم نماذجاً  عجيبة غريبة من المتضامنين معنا في القافلة.

أولهم كانوا مجموعة من الايرلنديين الذين سألتهم عن سبب تضامنهم فقالوا: نحن في ايرلندا نعاني كما يعانيه الفلسطينيون من احتلال.. فنحن مازلنا تحت الانتداب البريطاني القاهر الذي ما زال يذل شعبنا ويصادر حريتنا.. لذلك نحن أكثر الشعوب شعوراً بمعاناة الفلسطينيين!

أما أبعد المتضامنين عن فلسطين هم المتضامنون من نيوزلندا.. ولك أن تتصور أنهم قطعوا نصف الكرة الأرضية ليصلوا إلى بريطانيا.. ثم ساروا بالسيارات إلى غزة قاطعين قارة أوروبا كلها! سألت أحدهم ما جاء بكم؟ قال: نحن كنا تحت الاحتلال البريطاني لعقود طويلة وعانينا الاضطهاد والذل.. ثم استقلينا أخيراً بعد نضال وكفاح سالت فيه الدماء على الشوارع.. لذلك نحن لسنا نطالب بتحرير فلسطين فحسب.. بل نحن ندعم خيار المقاومة التي تمارسه حماس.. ونرفض خيار المساومة التي يمارسها عباس!! الله أكبر.. ما زلت مصدوماً من هذا الجواب! وتبدو صورة أحدهم مرتديا تيرشيرت أسود كتب عليه “المقاومة” بالأحمر !!!

هل تذكرون المصارع Hulk hogan؟ كان لدينا أحد المتضامنين البريطانيين يشبهه تماماً.. مفتول العضلات ومدرع بالسلاسل التي لفها حول رقبته ويده وقد أوقف جلده معرضاً للرسومات والوشم.. أول فكرة خطرت ببالي حينما قابلته لأول مرة: إلهى مالذي أتي بهذا من حلبة المصارعة إلى هنا؟!!
لكنه كان أنشط أعضاء القافلة في خدمة المتضامنين وترتيب المعسكر وتنظيفه وتحميل الاداوات الطبية الثقيلة وإدخالها في الحافلات.. غير ذلك ما رأيته من حسن تعامله مع الآخرين..
وبينما هو بيننا.. إذ وصل إليه خبر وفاة والده.. ولا أحتاج لشرح قدر ألم فقدان الأب.. توقعنا عودته لكن صاحبنا أبى إلا أن يدخل غزة وألا يرجع إلى دياره.. ولما كانت الأيام الأخيرة قبل الانطلاق إلى غزة.. إذ وصل إليه خبر مرض زوجته التي تبدو أنها في صحة متدهورة.. هنا اضطر أخيراً صاحبنا للرجوع.. رجع وكان يبكي بكاء الأطفال لعدم تمكنه من إكمال الرحلة إلى غزة وإيصال المساعدات!.. تخيلوا معي شكله الغريب وتفكروا بعظمة المبدأ الذي يحمله في قلبه!

أما المفاجأة الأخيرة.. هي تلك الفتاة الإيطالية الشابة, التي كانت تثير القلق من شكلها المريب.. فالوشم من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها, وحلقات الأذن تملأ أنفها وشفاها وأذنها.. والله أعلم أين أيضاً.. ولم يكن لبسها محتشماً في الأيام الأولى لولا أن أوعزت إدارة القافلة لها بالاحتشام قليلاً مراعاة للمتضامنين العرب..
رأيتها ذات يوم واقفة أمام أطفال فلسطينيين في مخيم اللاجئين وهي تلعب بثلاث كور صغيرة تتقاذفها بيدها ثم تتبعها بحركات بهلوانية حاملة بيدها عصاة تقلبها بيدها بخفة.. وقفت أشاهد العرض المجاني.. وكلي فضول لمعرفة مالذي أتى بفتاة بهذا الشكل من البارات والمراقص إلى هنا لتدخل معنا غزة!!؟ وبعد التصفيق سألتها ما معنى هذا الوشم الذي في يديك؟
فأجابتني بالانجليزي المكسّر: هذا الوشم للحماية, وهذا الوشم للحظ, وهذا الوشم الذي يوصلني بإله الحياة وهذا لإله القمر وهذا لإله….. !! وبعد أن عددت لي أسماء 10 آلهة سألتها..
قلت: طيب.. من أين أنتي؟
قالت: من ايطاليا
– ومن أي مدينة فيها؟
قالت: من لا مكان.. فأنا أعيش في Caravan وأتنقل من مدينة لأخرى وأجول بين القرى لأقدم عروض السيرك..
-مممممم إذاً أنتِ تعملين في السيرك؟!
قالت: نعم وقد جمعت محصول سنتين حتى أدفع تكاليف انضمامي لهذا القافلة!
-(!!!!!!).. ومالذي دفعك إلى ذلك؟!
قالت: أنا أفهم تعجبك من شكلي ومظهري ومن إلحادي.. ولست مثالاً جيداً للفتيات.. لكنني أعمل في السيرك من مدينة لأخرى حتى أرسم الابتسامة على الأطفال.. واليوم أريد أن أرسمها على وجوه أطفال غزة!!!

 

 

 لا تعليق

أرى هذه النماذج من البشر فأقول سبحان الذي زرع الرحمة في قلوب أبعد الناس عن الإسلام.. ثم ألتفت إلى بيت الجيران فأقول:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهندِ

 

طلال الخضر
1 نوفمبر 2010

ودخلت غزة..

21 comments »

تحققت اليوم إحدى أمنيات حياتي.. فلطالما تمنيت أن تطأ قدمي أرض فلسطين المباركة.. والحمدلله الذي صدقني اليوم وعده.. IMG_1080

دخلتها وآيات الفتح تمر بخاطري.. لقد صدقكم الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون
فخررت ساجداً لا أدري لماذا كنت عصي الدمع حينها..ربما لم أكن مستوعباً بعد.. فأنا أعرف نفسي وأعرف أن دموعي لا تغيب عادة عن هذه المواقف..

دخلتها وسط احتفاء حاشد من أهلها المتشوقين لرؤية ضيف -أي ضيف- يزورها.. فإن غزة ليست بالمكان الذي يزورها الزائر قبل أن يلاقي مثل ما لاقيناه من طول انتظار دام شهراً كاملاً في اللاذقية انتظاراً لموافقة حضرات السادة في السلطات المصرية..

دخلت البقعة الصغيرة في حجمها العظيمة في صمودها.. القطعة التي هي اليوم محور اهتمام العالم وشغل الإعلام الشاغل وحديث الخطباء والشعراء والناس.. دخلتها لأرى بنفسي ما يُقال عنها فأطابق مشاهد الإعلام بمشاهد عيني.. ففقد شاهدتها في الأخبار كثيراً.. لكنني اليوم شاهد عيان.. وليس السامع كالمعاين..

مشيت بين ضواحيها شبراً شبراً.. فقيل لي: هنا استشهد محمد الدرة.. بالمكان الذي تقف عليه الآن يا طلال.. وهنا قُصف الشيخ أحمد ياسين بثلاث قذائف بالأباتشي فجراً وأسلم روحه شهيداً سعيداً.. وفي هذا الحي استشهدت عائلة السموني كاملة عن بكرة أبيها, 50 فرداً في لحظة واحدة وما بقي إلا طفلة.. وانظر لهذا الركام الذي كان مدرسة أو مسجداً أو بيتاً.. كان هنا مدرسة ومسجداً وبيتاً..

أتيت غزة لا لأعطي.. بل لأأخذ.. ويدي اليوم هي اليد السفلى.. جئت لأتعلم درساً في معنى الكرامة.. ودرساً في مفهوم العزة.. ودرساً ميدانياً في الصمود.. هذه الدروس لا يدرسها اليوم إلا جامعة غزة..
أتيت غزة لا منة لي ولا فضلاً.. بل لأشكر أهلها على صمودهم.. وعلى جهادهم نيابة عن الأمة وسط تخاذل العالم عنهم..
فمن صاحب الفضل هنا؟ أهو الذي يوصل المساعدات أم الذي يدافع شرف الأمة وحرمة المسجد الأقصى؟ أهو الذي ينفق ماله أم الذي ينفق روحه؟
من ظن لحظة أنه صاحب الفضل والمنة على أهل فلسطين بحفنة دنانير أنفقها.. فإن المسجد الأقصى خصيمه يوم القيامة..

قيل لي أن غزة مدمرة بالكامل.. وأن أهلها صامدون..
وأقول أن من قال هذا من وسائل الإعلام أو غيرهم.. والله لا يعرف كيف يصف التدمير ولا وصف الصمود..
لقد ظلمكم الإعلام يا أهل غزة.. فالمفارقة شاسعة جداً بين الشاشة والواقع.. ولا أريد أن أصف شيئاً مما رأيت فأظلمهم

أسأل الله الذي أصدقني وعده بدخول غزة.. أن يبلغني صلاة الفاتحين في المسجد الأقصى

***
في الهامش:

بيت شعر نقشته على جدار مدرسة الأنوروا في مخيم اللاجئين في اللاذقية.. قلت هذا البيت قبل 3 سنوات.. ومطلع القصيدة يقول: خذوني دار ياسينٍ خذوني *** والقوني بغزة واتركوني
والحمدلله الذي أوصلني غزة اليوم
IMG_1078

آخر كلمة:
قبل خروجي من الحدود المصرية على سيارتي.. أوقفتني مذيعة لإحدى القنوات المصرية وكادت أن تدخل المايك في فمي لتسألني عن شعوري بدخول غزة؟
فقلت الحمدلله.. دخولها حلم واليوم تحقق الحلم
قالت: وما تقول لمن ساهم في تسهيل قافلتكم؟
قلت: أشكر جميع من ساندنا ووقف معنا ودعا لنا
قالت: هل تشكر أحداً؟
قلت: أشكر قيادة القافلة وأشكر المتضامنين وأشكر السلطات السورية التي استضافتنا بكل حفاوة في اللاذقية طيلة ثلاثة أسابيع
قالت: وماذا تقول لمصر؟
قلت: أشكر الشعب المصري الذي أعلم تماماً تعاطفه مع إخوانه في غزة وحرقتهم على قضية فلسطين
قالت: طيب يا سيدي وبتقول إيه للسلطات المصرية؟
قلت:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهندِ

 

طلال الخضر – غزة
23 أكتوبر 2010

الطريق إلى غزة

13 comments »

 
عمّان-الأردن- بلد البتراء .. العجيبة الثانية من عجائب الدنيا السبع.. كانت أول محطة من محطات الطريق إلى غزة.. حيث وصل إليها يوم السبت الماضي الوفد الخليجي لقافلة شريان الحياة الخامسة المتجهة إلى غزة لإيصال المساعدات وكسر الحصار.. وجاء photo1المتضامنون من الكويت والبحرين وعُمان والسعودية حيث تم شراء أكثر من50 سيارة كبيرة محمّلة بالمساعدات الطبية من أموال أهل الخير في دول الخليج ومن الأردن.. 
 
أما الآن.. فأنا أقضي أجمل لحظات في حياتي في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في مدينة اللاقية في سوريا بعد أن قطعنا الطريق من عمّان إلى اللاذقية براً بالشاحنات الإغاثية.. واستقبلنا أهل سوريا الذين كانوا بانتظار قافلتنا في الحدود السورية الأردنية.. ثم احتفل بنا إخواننا الفلسطينيين في اللاذقية احتفالاً أخوياً عظيماً يجسد روح الأخوة الإسلامية التي تتجاوز حدود البلدان واللهجات والعادات لتؤكد أن ما من كلمة استطاعت أن توحد مليار ونصف من البشر سوى كلمة لاإله إلا الله محمد رسول الله..
 
المكان من حولي يعج بالجزائريين والفلسطينين  والأردنيين والموريتانيين والبحرينيين والكويتيين والعمانيين والسوريين والتونسيين والبريطانيين والإيطاليين والفرنسيين والأندونيسيين والماليزيين وغيرهم من مشارق الأرض ومغاربها .. من جميع الأعراق والجنسيات.. ومن جميع الملل والنحل حتى الملحدين.. لا أجد وصفاً لهذا التجمع الدولي سوى أنه هيئة الأمم الشعبية.. بل هذي هي هيئة الأمم الحقيقية..ما جاء بهم إلى هنا سوى هدف فك الحصار عن غزة..
 
استمتع هذه الأيام بزيارة بيوت اللاجئين الفلسطينيين والحديث معهم والتزود من إيمانهم وصبرهم وحماسهم.. واستمتع بالحوار مع الإخوة في مورتانيا ومناقشة أهل فلسطين بقضايا الأمة ومناظرة الإخوة في الأردن في مسائل الفكر والفلسفة.. وأشعر بنشوة الطرب من أصوات الإخوة الجزائريين الذين يلهبون حماس القافلة بأنشيدهم ومواويلهم وحتى بأصوات قُرّاءهم الخاشعة على قراءة ورش عن نافع التي نسمعها في الصلاة.. أقسم بالله العظيم أنني أعيش أجمل لحظات حياتي الآن..
 
أما بخصوص سيرنا إلى غزة.. فالحمدلله على تقدريه دائماً.. نتوقع أن ندخلها قبل يوم الأربعاء القادم بإذن الله.. سنبحر من ميناء اللاذقية إلى مدينة العريش المصرية ونكمل مسيرنا إلى غزة من معبر رفح
 
الحديث يطول.. والاتصال بالانترنت ليس سهلاً.. وسأحاول تحديث الأخبار لكم قدر الاستطاعة..
أقول ختاماً.. أن أحد الإخوة في القافلة بادر بجمع مشاعر جميع أفراد القافلة على دفتر متوسط الحجم.. ولما وصل لي الدفتر لأدون شعوري.. كتبت هذه الكلمات..

photo