قائمة الكتب العربية العظيمة

No comments »

 ثقافة أي أمة هي مزيج من إسهامات الألوف من مفكريها وشعرائها وعلمائها وسياسييها. هناك إسهامات أحدثت فارقاً كبيراً في تشكيل هذه الثقافة. هذه الإسهامات لابد لأي مثقف أي يعرفها مهما كان تخصصها ومدى اتفاقه معها، فهي إسهامات جوهرية لها وجودها في الساحة الثقافية ولايمكن للمثقف تجاهلها.
قمت بوضع قائمة للكتب المؤسسة لثقافتنا العربية، وبعضها مترجم، وهي كتب لاغنى لأي مثقف عنها. والقائمة مقترح شخصي، مع يقيني أني أسقطت منها الكثير من الكتب المهمة.

قائمة الكتب المؤسسة للثقافة العربية والإسلامية

السلوك والتصوف:

إحياء علوم الدين 

رسالة المسترشدين

تهذيب مدارج السالكين

صيد الخاطر

الاستقامة 

الادب:

المعلقات العشر 

طبقات فحول الشعراء

دواوين ـ شعراء المعلقات، شعراء الاسلام: الفرزدق، جرير، الاخطل، عمر ابن أبي ربيعة، الحطيئة، قيس، جميل العباسيون: أبو تمام، بشار، أبونواس، المتنبي، أبوفراس، الحلاج، ابن الفارض، المعري الاندلسيون: ابن زيدون المعاصرون: شوقي، نزار، الجواهري، البارودي، السياب، درويش

البيان والتبين – الجاحظ

العقد الفريد – ابن عبد ربه

الأغاني – الاصفهاني

ألف ليلة وليلة

كليلة ودمنة – ابن المقفع

اسرار البلاغة – عبدالقاهر الجرجاني

مقامات الحريري والهمذاني

التفسير:

الظلال – سيد

الكشاف – الزمخشري

التحرير والتنوير – الطاهر بن عاشور

أصول الفقه:

الموافقات – الشاطبي

الفلسفة:

فصل المقال – ابن رشد

مقدمة ابن خلدون

السيرة:

زاد المعاد – ابن القيم

مختصر سيرة ابن هشام

كتب معاصرة مهمة:

تجديد الفكر الديني في الإسلام – محمد اقبال

الإسلام بين الشرق والغرب – علي عزت

الحرية أو الطوفان – حاكم

قصة الإيمان – نديم الجسر

فلسفتنا – محمد باقر الصدر

كبرى اليقينيات الكونية – البوطي

النبأ العظيم – دراز

فقه السنة – سيد سابق

كيف تكتب التاريخ لاسلامي؟ – محمد قطب

شروط النهضة/ مشكلات الحضارة/ الظاهرة القرآنية؟ مشكلات الحضارة – مالك بن نبي

الخلافات السياسية بين الصحابة – مكانة الاشخاص وقدسية المبادئ – الشنقيطي

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – ابوالحسن النذوي

معالم على الطريق – سيد قطب

الاسلام الذي ندعو إليه – القرضاوي

القوة والارهاب – نعوم تشومسكي

نقد العقل العربي – الجابري

الكتب الغربية

صدام الحضارات – هنتنغتون

تاريخ الفلسفة السياسية – ليو شتراوس

تاريخ الفكر السياسي من مكيافيلي إلى أيامنا – جان جاك شوفاليه

العقد الاجتماعي – روسو

النشوء والارتقاء – داروين

السياسة – أرسطو

الأمير – ميكافيللي 

البيان الشيوعي – ماركس وانجلز

ثروة الامم – ادم سميث

Great Books of the Western World الكتب العظيمة في العالم الغربي

العادات السبع – ستفن كوفي

كتب مفاتيح

مقدمة في اصول التفسير- ابن تيمية- فواز زمرلي

ضوابط المعرفة – عبدالرحمن حبنكة الميداني

العقيدة الاسلامية – حبنكة

مباحث في علوم القرآن – مناع القطان

تعريف الدارسين بمناهج المفسرين – صلاح الخالدي

المدخل لدراسة السنة النبوية – القرضاوي

كيف نتعامل مع السنة النبوية – القرضاوي

أطلس تاريخ الانبياء والرسل – سامي المغلوث

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون – موسى العازمي

الرحيق المختوم – المباركفوري

علوم الحديث أساسيات ومبادئ – أحمد العليمي

أصول الفقه أساسيات ومبادئ – أحمد العليمي

ألبوم شرح الورقات – الددو

الفقه المنهجي (شافعي) – الشربجي

الوجيز (شافعي) أبو حامد

المدخل إلى فقه أبي حنيفة – أحمد سعيد حوى

مختصر خليل (مالكي)

الملخصات الفقهية الميسرة من حاشية الروض المربع ومنار السبيل – عماد علي جمعة

الوجيز في أصول الفقه – عبدالكريم زيدان

مدخل لدراسة الشريعة الاسلامية – القرضاوي

الحلال والحرام في الاسلام – القرضاوي

المرجع في مبادئ التربية – سعيد التل ومجموعة مؤلفين

منهج التربية الاسلامية – محمد قطب

موسوعة غزوات الرسول – محمود شاكر

موسوعة الفتوحات الاسلامية – محمود شاكر

تاريخ العالم الاسلامي الحديث والمعاصر – محمود شاكر واسماعيل ياغي

أطلس دول العالم الاسلامي – شوقي ابوخليل

أطلس تاريخ العالم من البدايات حتى الزمن الحاضر – هيرمن كندر – ترجمة الياس عبدو

تاريخ البشرية – توينبي ترجمة نقولا زيادة

صور من حياة الصحابة – رأفت الباشا

صور من حياة التابعين – رأفت الباشا

موسوعة الحركات الاسلامية – فتحي يكن

الموسوعة الميسرة في المذاهب والاديان والاحزاب المعاصرة – الندوة العالمية للشباب الاسلامي

الجهاد- القرضاوي

تاريخ اداب العرب – الرافعي

وحي القلم – الرافعي

قصص من التاريخ – الطنطاوي

ما تسرّب من قِربة جَرير

1 comment »

هبي التقاليد تنهى طُهر نجوانا
مازلن في فُسحةٍ للبثّ عينانا

والله ما أخطئا عينايَ مذ ثقبا
عينيك.. فافترسا شوقاً وأشجانا

في قاع عينيك قابلت الذين هَووا
قبلي بها.. وشكونا مرّ بلوانا

ونحن آلافُ قتلى في شواطئها
من كل أنواع حتف الموت قتلانا
***

يا أم عمروٍ وكتم الحبّ مقصلة
نُحرت فيها لأجل العُرف قُربانا

يا حبذا الشعرُ ترميزاً وأحجية
وحبذا الحبُ تصريحاً وتبيانا

قولي أحبكَ.. هذا دين فطرتنا
وحطّمي يا هداك الله أوثانا!

***

يا أم عمروٍ وكان الصبّ إنسانا
على المجاز وإلا ليس إنسانا

الا اذا اندس ريق الحب في فمه
فيورق القلب أثمارا وأغصانا

إلى متى ايها الشرق الغيور به
تُساق حواء نحو الحب عمياناً

لا ذاقت امرأةٌ حباً يكون به
الجسمُ محتشماً والقلبُ عريانا

من أجل كل عفيفٍ -ظبية خدشت
عَفافَه- سأقيم الليل غفرانا

من دار سلّامة هرولت معترفاً
أبوس كفّ جلال الدين مولانا

فقال هوّن عليك الذنب يا ولدي
بعض النساء يزدن المرء إيمانا!

وكان ما كان لي من صبوة وتقى
فصدّني مالكٌ عن باب رضوانا

ولي براءة تفكير العفيف وإذ
بي التجارِب حتى صرت لقمانا!

فأرتدي جبة الحلاج إن شطحت
روحي وأحسبني في الحرب حسّانا

كشيخيَ المتنبي في الضجيج سوى
ما ذاق شهد قصيدي سيفُ حمدانا

انا الذي فخخ الأبيات في ورق
حتى افجّر فرعونا وهامانا

إذا كتبت على الجدران ملحمةً
نفختُ فانخلقت خيلاً وفرسان

نوديت والسيف منصوب على عنقي
مات الوليد وبايعنا سليمانَ

نزّلت شعب حروفي في مظاهرةٍ
ودفتري كان للثوار ميدانا

قصائدي ثورة ضد الظلام وضد
الظلم من أي دينٍ أو دمٍ كانا

كتبتُ حتى يقولوا شاعرٌ /وطنٌ
وربما قيل عني ذاك أحياناً

كم من فتاة أسرَّت لي معاتبة
يا شاعر الوطن المنفيَّ.. تحنانا

اكتب لنا غزلا نحن النساء .. فكم
كُناّ لدى اللاجيءِ المنفي ِّأوطانا

نهر من الغزل المقموع قافيتي
أروي النساء وأقضي الليل ظمآنا

وما سعاد سوى شمّاعة عُلِقت
في أُذْنها قرطَ همٍّ من قضايانا

وهكذا ..كلّما قبّلت فاتنة
في الشعر جرّحتُ أعناقاً وآذانا!

فالقلب جنةُ فردٍ.. والهوى امرأةٌ
غيورةٌ ذَبَحت حوراً وولدانا

يا أم عمروٍ.. فؤادي كان معتزلا
ردي علي فؤادي كالذي كانا

 

طلال الخضر

العمل التطوعي.. من لجان إلى شركات

1 comment »

حتى العمل الخيري والتطوعي له نظرياته التي تتطور، ومنظّروه الذين يبحثون في مشكلاته ويطورون من أداءه، ومباحثه الأكاديمية التي تدرّس في كثير من الجامعات العالمية. لم يعد العمل الخيري كبراءة أغلب المتطوعين فيه، بل تجاوز مرحلة العمل المؤسسي ليدخل في مرحلة الشركات الاستثمارية الخيرية.
 
فإذا كان الوضع الرتيب للعمل التطوعي في الوطن العربي مجرد جمع التبرعات ثم صرفها في أحد أوجه الخير، فإن الفكر الجديد للعمل الخيري  يربطه بالاستثمار، وتديره عقول استثمارية وإدارية، لا مجرد متطوعين من أهل الخير والإنسانية.
 
يعرف المتخصصون في التمويل والاستثمار مفهوم تكلفة الفرصة البديلة الذي يعني التنازل عن مشروع ربحي مقابل مشروع آخر آكثر ربحاً، لأن رأس المال محدود، والمشاريع الربحية غير محدودة ولا يمكن الدخول فيها جميعاً، لذلك يقوم دور المستثمر على دراسة أفضل البدائل وأكثرها ربحاً وملائمة لرأس المال.
 
الربح في العمل الخيري هو نسبة المنفعة الخيرية مقابل مبلغ التبرع المدفوع، لا الأجر الأخروي فقط. لذلك لا تستغرب من مؤسسة خيرية رائدة في الكويت كجمعية الرحمة العالمية حين تصرف ٤٥ ألف دولار، فقط لأجل دراسة الحالة الإنسانية في تنزانيا، تعرف من نتائجها أن البلد يحتاج صحة وتعليم، وثم فرصة القيام بمشاريع في هذين المجالين جيدة ومتاحة، فتعمل الجمعية وفق هذه الدراسة ولا تصرف فلساً واحداً في غيرهما. ولا تستغرب من مشروع مجمع سكني في جيبوتي قدّرالمقاولون تكلفته بمبلغ وقدره، بَنَتْهُ جمعية الرحمة بنصفه بذكاء استثماري رهيب!
 
البعد الآخر لتطور فكر العمل الخيري هو تحويل المشاريع الخيرية التي تنفع المحتاج إلى مشاريع استثمارية. العاملون في القطاع الخيري يدركون كم تستنزف بعض المشاريع من أموال تشغيلية فوق تكلفتها الأولية. وهنا تقوم العقليات الخيرية الجديدة بمشاريع خيرية تغطي تكاليفها والتشغيلية إن لم تكن تخرج أرباحاً تغذّي مشاريع خيرية أخرى. من مشاريع جمعية الرحمة العالمية التي زرتها في تنزانيا في رحلتي الأخيرة مدرسة للأيتام بجانبها مزرعة يعمل فيها الطلبة بعد دوامهم الدراسي، يأخذون منها أجورهم، وتعود باقي الأرباح للمدرسة. مدرسة أخرى كان بجانبها مجمّع حرفي من نجارة وحدادة وغيرها يعمل فيها الطلبة الأيتام ويتخرجون وقد أتقنوا فنونا وصناعات، يقف اليتيم بعدها على قدميه ثم يساعد غيره. وتتجاوز هذه المؤسسة خيرية ذلك لتملك اليوم مشاريع ربحية بحتة من مدارس ومستشفيات وعقارات ومزارع وأسهم.
 
لم تعد لِجاناً، إنها شركات، يعمل فيها موظفون يستلمون رواتب مجزية لا مجرد متطوعين، ولديها إدارات استثمارية وإعلامية وعلاقات عامة وتدريب ومراكز دراسات، ولها علاقاتها الدبلوماسية العالية مع القادة والمسؤولين في الدول المستهدفة بالعمل الخيري. هذا التطور في المفهوم ليس مقصوراً على العمل الإغاثي فقط، بل يشمل كافة الأعمال التطوعية.
 
هكذا فليكن العمل الخيري وإلا فلا.
 

 

Political Current’s Intellectual Reviews

No comments »

It seems that the Arabic revolution was a new important occasion to the Arab political currents to review their political thoughts and evaluate their previous experience, although the intellectual transformations were observed clearly during the last previous decades.

The Islamic political current in both its Sunni and She’e side had shown more transformations than the nationalism, liberal and communism currents. These transformations didn’t stop on the change of the political discourse only; it further more included rereading the Islamic essentials and re-understanding the holy texts in the political field.

I may summarize the Islamic Sunni current’s transformations to three stages: from Jihadi military spirit to nonviolent movement, from nonviolent revolutional spirit to accepting the political game rules, and from the political participating in order to sweep, to participating to share1. These reviews had been observed from all Islamic currents even the extreme ones as “Jihad Group” –the Egyptian branch of Al-Qaida- which issued series of books named “correcting the concepts2“ under an initiative for stopping violence in July 1997. The other opposite Islamic fundamentalist extreme current; the Salafies, who believed always in obedience to the ruler whoever he is and the prohibition of establishing political parties, witnessed a big shift starting from the early 1990s in Saudi Arabia and Kuwait, and in Egypt only after the last revolution. The Salafies witnessed many inner splits regarding to these reviews which varied between establishing political parties and obeying the non-Islamic constitution, and consisting on the old principles. The Muslim brotherhood’s reviews had a steady pattern since the first generation in the 1920s, although it started from the beginning as a reform movement with a political party in aim to restore the “Khilafa”. After stages of self-criticism and taking advantage of other political theorists, MB now is almost a secular party with an Islamic rooting. And unlike the Salafie’s splits, MB remained coherent in exception of Erdogan’s party split from his teacher Arbakan in Turkey. The Moroccan, Tunisian and Turkish are the review pioneers and have an advanced Islamic political sample as they are considered the theorist teachers in the Islamic world, and I would refer that for their geographical location near the western world and their mature political experience.

The She’e transformations had a different pattern. Since the She’e doctrine belief’s in waiting for “The savior Mahdi” to rule, the she’a –since more than 10 centuries- haven’t got any political project until ” Welayat-e faqih” –the jurist ruling- theory had been stated firstly by Mulla Ahmad Alnaragy in the 1800s and applied by Alkhumaini in Iran in 1979. But the She’e reviews had been confined between the jurists not the political theorist which caused no real advance on the She’e political attitude except of some efforts from few political thinkers like Ali Shareaty and Ahmad Alkatib calling for more political pluralism.

Unlike the protestant reformation which isolated the religion totally from politics, it seems that the Islamic political currents are still developing a special political model justified Islamicly, even after ending up to secularism3.

And although Arab nationalist, communist and liberals preceded the Islamist in more than 40 years, their transformation was more likely to be retreats or renunciation than reviews. As these currents are linked to international thoughts, they had been affected by the cold war results. The collapse of the Soviet Union weakened the Arab communist’s loyalty to the idea. And as capitalism seemed to be the perfect political model and have no competitors, the liberals have no challenge to review or develop the model at least to suit with the region’s conditions. And since that, communism’s dialogues kept far away from the field, confined between high-educated class with no real project, and the liberals tend to be pragmatic, calling for social freedom, reconciled with the dictatorial regimes.

And from all theses current’s womb, new orientations have borned lately led by youth leaders and combined under one parties or movements4 calling for the consensus political principles and values as democracy, justice, freedom, and a conservative civilized states. I would simply say that this is exactly the developed Islamic political model without an Islamic justification.

These reviews and transformations have attracted many researches to mark these transformations and explain the effective elements for it. I believe more researches are needed to study how these reviews processed. When we have a close look on these transformations, we realize that the change had occurred not only on the political position, but on the conclusional tools as well, a deep change in the knowledge basics. Combining political sociology with epistemology approach could be good start to understand these reviews, how do it occur, and predicting where these reviews would end up in the future.

 Talal Alkhadher

 

_______________________­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­_______________________________________________

  1. Bilal Altalidi- Islamist’s reviews
  2. Correcting the concepts- authored collectively by the Jihad group leaders
  3. Al-Nahdha Party in Tunis, PJD in Morocco, AK Party in Turkey
  4. Civil Democrat Movement- Kuwait, Median Party (Alwasat )- Egypt

القفز على الكتب

1 comment »

يحدث عادة -تزامنا مع معرض الكتاب- تبادل أسماء الكتب الجديدة بين الشباب المثقف، وينشر بعضهم حصاد المعرض في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، ويتساءلون عن الكتب الجيدة النافعة. ويظهر أن هناك اهتمام حقيقي لدى قاعدة كبيرة من الشباب باختيار الكتب المميزة الجديدة. إلا أن أبناء هذه الحركة الثقافية متفاوتون في الأعمار والمستويات والتخصصات، الأمر الذي يجعل القارئ لاسيما المبتدئ مشوشاً أمام هذه الكتب المُرشحة من كبار المثقفين. هنا يحدث القفز على الكتب وتخطي المراحل المعرفية، توقاً للوصول سريعاً إلى مصاف المثقفين المتقدمين، أو رياءً ثقافياً في اقتناء الكتب المتقدمة، أو خجلاً من أن يرجع الناس من المعرض بالشاء والبعير، ويكون صيدنا الكتب ذات العناوين غير الرنانة والتي هي قد تكون مهمة لتكوين القارئ في بداية المشوار. 
 
أفهم هذا الولع بالكتب الذي يصيب القارئ بعد أن تسحبه إلى عوالم الفكر والعلوم والفنون ويعبر نقطة اللا عودة إلى مراتب الجهل، فلا يستطيع الرجوع إلى مرحلة خلو البال وراحته من صخب الأسئلة، ولا يمكنه الاستقالة من مهمة البحث عن طرب الأجوبة، ليبقى الخيار المتاح الوحيد لديه الاستمرار بالهرولة في هذا الطريق، راوياً ظمئه من عطش سؤال، ليرتفع له بعدها سؤال أكثر عطشاً. جيد.. نعم الإدمان هذا إذاً، فقد قيل في الحديث الضعيف الذي رواه الطبراني: “منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال”.إلا أن هذا النهم يجب أن يأكل وجباته المعرفية وفق سعة معدته، وقدرة جهازه الهضمي، وحدّة أنيابه. 
 
أذكر أني كنت ألحق الدكتور محمد العوضي في معارض الكتب من مكتبة لأخرى وأشتري ما يشتريه من كتب لم أقرأ منها شيئاً إلى اليوم! واليوم أصادف في معرض الكتاب من الأصدقاء من يحمل كتاب تجديد علم الكلام لطه عبدالرحمن، فسألته عن تعريف علم الكلام فلم يجب، فهو لا يعرف شيئاً عن علم الكلام ويقرأ في تجديد علم الكلام! وآخر اشترى كتاب “علاقة علم أصول الفقه بعلم المنطق” لوائل الحارثي، وتجاوزاً عن ضرورة دراسة هذين العلمين عند الأساتذة المختصين، صديقي لم يكن يعرف شيئاً عن الأصول، مباحثه، أعلامه، كتبه المؤسِسة، ولا يفرق في المنطق بين التصورات والتصديقات، أو بين النوع والجنس، وبين الكلي والكل، ثم يريد معرفة علاقة  المنطق بالأصول؟ أخ حبيب آخر وجدته يقرأ في الكاشف الصغير لسعيد فودة وهو كتاب يبحث في تراث ابن تيمية العقائدي، ولا يمكن استيعابه مالم يُطالع في كتب تيمية أولاً. مع العلم أن هذه كتب المذكورة ممتازة في مجالاتها. إن أي كتاب يبدأ بـ نقد كذا وكذا ,نظرات حول كذا وكذا, أو تحليل، تجديد، تفكيك, الرد على كذا وكذا، يجب أن يُهضم قبلها هذا الكذا وكذا.
كنت قد قرأت كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت قبل سنوات, وهو كتاب زاخم بمصطحات الفكر والتراث والفن الغربي, وأقلقني عجزي إزاء التفاوت الشاسع بيني وبين الكتاب في الحين الذي كنت أجد أقراني يتحدثون عنه ويستشهدون منه ويمدحونه. هل استوعبوا الكتاب فعلاً؟ ما مشكلتي إذاً؟ لم أكن حريصاً على امتحان أصدقائي بمضمونه ولم يهمني إن كانوا استفادوا منه جيداً أم لا, بل كان همي حينها أن أقرأ ما يناسبني لعلي أن أفهم كتاب علي عزت يوماً ما. وقد قرأته ثانية هذا العام, وعزمت أن أقرأه مرة ثالثة بعد سنوات قرائية.
 
 
أقول هذا لا إحباطاً للشباب إنما استثماراً لحماستهم في القراءة حتى يمتصوا الحد الأقصى من ثروات الكتاب. إنه شعور مغري حين تقرأ كتاباً تعلم أن مهنا المهنا يقرأه معك في نفس الوقت, ولكن استفادة قارئَين من كتاب واحد متفاوتة حسب خلفيتهم المعرفية وتفاعلهم مع الكتاب.
 
 
 


Talal Alkhedher
طلال الخضر

 
@talkhedher

دليل الطالب للكتاب المناسب

No comments »

u35_1_873664_1_34

هذه سلسلة تغريدات كتبتها أمس تزامناً مع انطلاق معرض الكتاب في الكويت.. واسميتها “دليل الطالب للكناب المناسب”
 
1. في #معرض_الكتاب يوجد مكتبات تبيع الكتب, وأخرى تبيع العلف, بالإضافة إلى ركن الذرة..أنصح بالذرة, وبعض الكتب, ولا بأس في لف الذرة بكتب العلف
 
 ‏2. مكتبات العلف تُعرف بازدحام الأنعام عليها, منهم من يمشي على رجلين أو أربع ومنهم على بطنه, وحولها يتجمع أكثر الناس أناقة ‏
 
3 . يشتري القراء من الكتب 4 أضعاف ما يقرأون بسبب سوء التخطيط القرائي, وفقدان المنهج التثقيفي الخاص بهم وانخداعهم بعناوين الكتب أو بعيون المؤلف!
 
4. هناك عشرات الآلاف من الكتب المفيدة المهمة, والوقت لا يسمح بقراءتها كلها, ولن تستطيع تحديد الكتب ذات الأولوية مالم يكن لديك خطة قرائية
 
5. نصف الكتب التي تقرأها ينبغي أن تكون في مجال تخصصك, والنصف الآخر في باقي المجالات 
 
6. القراءة في مجال واحد تنتج متخصصاً, والقراءة لتوجه واحد تنتج متعصباً, والقراءة في مجالات ولتوجهات مختلفة تنتج مثقفاً واعياً
 
7. كي لا تشتري كتاباً لا تقرأه, 5 دقائق كافية لمعاينة الكتاب بالنظر في: العنوان, المؤلف, دار النشر, تاريخ النشر، المقدمة, الفهرس, المراجع, صفحات عشوائية
 
8. تاريخ نشر الكتاب مهم جداً, فبعض الكتب تنتهي صلاحيتها, خصوصاً المختصة بالتقنية والإدارة والتحليل السياسي المعاصر, لسرعة تجدد نظرياتها
 
مثلاً: كتاب علاء الأسواني “لماذا لايثور المصريون؟” اشتريته قبل ثورة 25 يناير بشهرين! ثاوروا وخلصوا- وكتاب “الثورة 2.0” لوائل غنيم! دا انت طلعت فلول يا راااجل!
 
9. لا تقلد مشتريات الآخرين, ولا تنبهر بما يقرأون من كتب كبيرة وعميقة, اشتر ما يناسب مستواك وتخصصك, وعلي الطماط إذا هم فاهمين شي ‏
 
كنت ألحق الدكتور محمد العوضي في #معرض_الكتاب من مكتبة إلى أخرى وأشتري الكتب التي يشتريها, لم أقرأ منها كتاباً واحداً!
 
10. لديك عشرات الكتب على الأرفف من معارض الكتب السابقة، ولعلك تعرف الآن معدل قراءتك للكتب سنوياً، الأولوية للكتب على الرف ولا تشتري فوق حاجتك
 
11. كتب المراجع والمجلدات الضخمة كالفقه والسير والحديث والتفاسير مكلفة وحجمها كبير في مكتبتك ويصعب البحث فيها, تجدها كلها في قرص واحد من مكتبة العريس بـ 15 دك
 
12. الروايات لا تعدو عن كونها فيلماً سينمائياً مقروءاً، هامش فائدتها ضئيل, المترجم منها لغته غير أدبية, والعربي منها أسوء إلا القليل
 
13. هناك كتب نوعيّة أجمع الكون على أهميتها وفائدتها وأحدثت قفزات في مجالها.. يجب أن تقرأها قبل قراءة أي كتاب آخر, بغض النظر عن ميولك تخصصك.. مقدمة ابن خلدون، الإحياء، الظلال, تجديد الفكر الديني لإقبال… (هناك قائمة سأضعها قريباً باذن الله)
 
14. تغريدات عن #القراءة_النوعية للدكتور : محمد الشنقيطي @mshinqiti يجب قراءتها قبل دخول #معرض_الكتاب http://n.tm.to/pC0 
 
15. نصيحة أخيرة قبل زيارة المعرض .. اركن سيارتك عدل يا مثقف يا حضاري.. ولا تنسى الذرة وانت طالع بارك الله فيك

 

عن ماذا تتحدث سورة الكهف؟

7 comments »

kahf
لكل سورة من سور القرآن آية محورية، تدور باقي آيات السورة في فَلَكها، وإن بدت السورة أنها متشعبة المواضيع، لكنك وبعد تأمل عميق تجد فيها ترابطاً مدهشاً، حيث تكتشف أن جميع الآيات تصب في خدمة وتعزيز هذه الآية المحورية. هي أشبه ما تكون -مع كامل الفرق- ببيت القصيد، البيت الذي ترتكز عليه القصيدة وتدور باقي الأبيات حول معناه شرحاً وتفصيلاً واستطراداً.
 .
تتكون سورة الكهف من ١١٠ آية، القصص منها ٧١ آية. العنوان العريض للسورة هو الهداية، فهي سورة الهداية، تتكلم في مجملها أن الهداية تكون من الله وحده، فتجد السورة تدعو طالب الهداية أن يطلبها ممن يملكها وهو الله الهادي، ثم أن الهداية الإلهية لا تكون إلا لمن أحسن النظر والفكر، فهي تدعو في أكثر من موضع إلى عدم الاعتقاد بشيء إلا بعلمٍ وتثبت ببرهان ودليل. إذاً فالهداية لها شرطان، حسن النظر والفكر، ثم طلبها من الله الهادي، وسنسوق الايات الدالة على ذلك.
.
تبدأ السورة بالحمد ثم الإنذار لهؤلاء الذين يقولون بلا علم ولا دليل، وأن القول بلا علم ضربٌ من الكذب “وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً* مالهم به من علم ولا لأباءهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً” وفي ذلك إشارة للشرط الأول من الهداية، ثم لا تلبث أن تدخل في أول قصة في السورة وهي قصة أصحاب الكهف، الفتية الذين امتدحهم الله في بداية القصة أنهم طلبوا الرشاد من الله “إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّء لنا من أمرنا رشداً” ثم يهبهم الله الهداية بعد أن طلبوها منه “إنهم فتية أمنوا بربهم وزدناهم هدى” وهذه إشارة واضحة للشرط الأول من الهداية.
.
ثم يتواصل حديث الفتية عن قومهم الذين اعتقدوا اعتقاداً باطلاً، فاستنكر القرآن عدم إتيانهم بسلطان بيّن ودليل واضح “هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ألهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن؟!” في دلالة أن ذلك خلل في النظر والفكر. 
.
ثم تأتي الأية المحورية في السورة، أو هي جزء من آية، وهي قول الله “من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مُرشداً” وهذه الآية جامعة لشرطي الهداية، فمن يطلب الهداية يهده الله، ويوفقه للتفكر السديد والتأمل العميق والبرهان الصادق، أما من أضله الله، فلن يهتدي ولو كان صاحب حجة وعقل.
.
ثم تستمر الإشارات لمحدودية علم الإنسان، وأن العلم المطلق عند الله العليم، والعلم بلا شك أحد سبل الهداية، ويحذر الله المؤمن أن ينسب العلم لنفسه، أو أن يتكلم بلا علم، ومأنه متيقن من هدايته. فهؤلاء الفتية الذين لبثوا في كهفهم ٣٠٩ سنوات، سأل أحدهم  “كم لبثبتهم؟” فأجاب أحدهم جواباً عشوائياً “لبثنا يوماً أو بعض يوم” فيسنكر القرآن هنا وينبههم “ربكم أعلم بما لبثتم” وينبههم مرة أخرى “ربهم أعلم بعدتهم” ثم ينبههم مرة ثالثة “قل ربي أعلم بعدتهم” بعد أن استنكر القرآن على الذين يقولون كلاماً خبط عشواء، فيقولون تارة “ثلاثة رابعهم كلبهم” وتارة أخرى يقولون “خمسة سادسهم كلبهم”، ثم يقولون سبعة، هكذا جزافاً ورجماً بالغيب. والذي كان ينبغي عليهم أن يتثبتوا ويتأكدوا وإلا فلا يدّعوا. وهذا هو شرط الهداية الأول. ثم يعود الشرط الثاني مباشرة في قوله تعالى “وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقرب من هذا رشداً”
.
وتستمر في القراءة فتقرأ “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم” دعوة إلهية لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يصاحب المهتدين الذين يثبتونه على الطريق، بعد أن اشترط سادة قريش منه أن يتخلى عن المسلمين الفقراء كي يدخلوا هم للإسلام! يريدون إسلاماً ارستقراطياً خاصاً لعلية القوم! لا تطعهم يا محمد، فهؤلاء ممن “أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه” ولم يتبع ما يشير إليه عقله من وضوح درب الحق، وكفى بذلك ضلالاً. ثم يعلق الله سبحانه على ذلك بقوله “وقل الحق من ربكم” وهذا التذكير السادس في السورة أن الحق أو العلم أو الهدى من الله.
.
ولما كانت الهداية لا تقتصر على العقل وأفكاره فقط، إنما على القلب وقِيمه أيضاً، تمضي بنا السورة إلى موضوع متفرع من الهداية، وهو الهداية إلى القيم الصحيحة بعد أن كانت تتكلم عن الهداية الفكرية. فتجد سياق السورة يتحول إلى التذكير بقيمة مهمة وهي الزهد في الدنيا والرغبة بالآخرة. فتقرأ في قصة صاحب الجنتين الذي كان مغروراً بماله وولده غارقاً في لذة دنياه معرضاً عن آخرته، وأي ضلال أشد من هذا؟ وكان صاحبه المؤمن يدعوه إلى طريق الهداية بمحاولة تصحيح هذه القيمة الخاطئة. ثم يعلق الله سبحانه على هذه القصة بالتأكيد مرة أخرى على هذه القيمة، بأن هذه الحياة الدنيا وما بها من خضرة ليست سوى ماء اختلط مع نبات فأصبح هشيماً تذروه الرياح! ويستمر التعقيب في الأية التي تليها أن “المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك” فالهداية أن تستقيم أفكارك كما تستقيم قِيمك.
.
وبعد كل هذه الإشارات الواضحة لدرب الهداية الفكرية والقيمية، مازال كثير من الناس لا يهتدون! فتجد القرآن يتساءل “وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى؟” ولا عجب إذا “كان الإنسان أكثر شيء جدلاً”، وليته كان يجادل بالحق بل “يجادل الذين كفرون بالباطل ليدحضوا به الحق” إنه سوء نظر وفكر، إنه الشرط الأول للهداية الذي لم يطبقوه، فكانت النتيجة حتمية أن جعل الله “على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً”
. 
ثم تبدأ قصة موسى عليه السلام مع الخضر، العبد الصالح الذي “علمناه من لدنا علماً” تأكيدٌ ثامن أو عاشر أن العلم من عند الله، والقصة بمواقفها الثلاث كلها تربية إلهية لنبيه موسى الذي ظن لوهلة أنه أعلم أهل الأرض، فأرسله الله إلى من هو أعلم منه، والذي علّمه درساً في التمهل والتثبت بالحكم على الأمور وعدم الاستعجال، وهل هذه إلا إشارة إلى حسن الفكر والنظر؟
 .
ويأتي ختام السورة بآية خطيرة، مازلت محتاراً بها منذ سنين، وهي قول الله “قل هل ننبئُكم بالأخسرين أعمالاً؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً” نحن ومن يخالفنا في الرأي كلانا يظن أنه يحسن صنعاً! وكلانا يظن أنه بذل الأسباب العقلية والمنطقية للوصول إلى الهداية. مع ذلك فإن أحدنا بلا شك قد ضل سعيه! وقد يقول قائل أن المقصود بالضلال هنا وفي السورة عموماً هم الكفار، وأن الهداية يقصد بها التوحيد، وأن الخطاب كله موجه للكفار، في الحين أن المسلمين هم موحدون ومهتدون ولذا فالكلام هنا لا يعنيهم!ولو كان كذلك فما فائدة كل هذه الآيات إذا كان الكفار لا يقرأون القرآن أصلاً؟ إن كل ما جاء في ذم الكفار وأطباعهم وسوء أخلاقهم وانحراف تفكيرهم هو خطاب لأمة القرآن بالدرجة الأولى، يحذرهم فيه من الوقوع ببعض صفات الكفار، وقد لا يضل المسلم إلى حد الكفر ولكن قد يضل داخل دائرة الإسلام فيقع في البدع وسوء فهم الدين والدنيا.
 .
هذه الآية الأخيرة، هي ملخص السورة، أو هي النتيجة الختامية لها، أي احذر أيها الإنسان، فربما كنت تظن أنك تحسن صنيعاً، وأنت في ضلال مبين، حتى ولو كنت مؤمناً.. أو تظن أنك على ذلك! فالحل إذا أن تراجع معتقداتك وأفكارك باستمرار، وتجتهد فيما آتاك الله من عقل بحسن النظر والفكر والتمحيص، والحق ليس بمعجز، فالله “لم يمتحنّا بما تعيا العقول به” كما قال البوصيري، ثم تطلب الهداية من الهادي سبحانه.
تلك كانت خلاصة تأملات طويلة لسورة الكهف العظيمة، إذا وعيت ذلك فستكون قراءتك ابتداء من اليوم قراءة مختلفة. هذا والله أعلم وآسأله الهداية لي ولك.

 

الصراع النبوي من أجل الحرية

No comments »

      تتلخص سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنها حياة صراع ضد الباطل من الأفكار وضد حامليها، وزرعٌ للأفكار الفطرية السليمة وحشد أنصار لها، صراع من أجل تحرير الإنسان المقيد بأغلال الجاهلية من سوء العادات والأفكار.
نقول صراع لأنه ما جاء أحد بمثل هذه البضاعة إلا وكان لزاماً أن يُحارَب. وقد فطن لذلك ورقة بن نوفل منذ أول يوم لنزول الوحي حين قال للرسول صلى الله عليه وسلم: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا وعُودِي.
.
     لم يكن هذا الصراع هيّناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أول يوم بدأ به دعوته انطلقت هناك دعوة مضادة ابتدأت بتهميشه وتسفيه كلامه والتحذير من سماعه “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” ثم قيل عنه كاهن، شاعر، ساحر، مجنون، كذاب، أوصاف أريد بها صرف الناس عنه والحط من قدره بأبي هو وأمي. وكان عمه أبولهب يمشي خلفه أينما ذهب، فلا يكاد رسول الله يدعو أحداً حتى يرفع عمه صوته ويقول: لا تسمعوا لهذا المجنون، أنا عمه وأعرف الناس به. تطور الأمر إلى تسليط أفحش الناس لساناً وأشد الشعراء بذاءة عليه يهجونه ويسبونه لتشويه سمعته وليجعلوه هيّناً على الناس، سمّوه مذمّماً وهو محمّد، كان الأذى يُلقى على أعتاب بيته، وُضع سل الجزور على رأسه وهو ساجد أمام الكعبة، أية إهانة هذه وما أعظم الابتلاء وما أقسى الألم؟ حين تقضي حياتك في مكارم الأخلاق وتتحلى بجميل المروءة وتعفّ نفسك عن كل قبيح وتتورع عن كل مشبوه حتى تنال في الدنيا حسن السمعة بين الناس، وما الذي يريده الحر في الدنيا غير ذكر حسن في قومه؟ ثم بعد كل ما بنيت من حسن سمعة، تُشن عليك حملات التشويه والتجريح المنظمة لتهدمها، وتنهال عليك الأقاويل من كل صوب، وتُلطخ سمعتك في المجتمع وتُجرّح أمانتك بين الناس، وتُروى عنك الأكاذيب من كبار القوم وصغارهم، فيصدقها أقرب الناس لك، أهلك وأصحابك، بل يبدأ بعضهم بترديدها. كان ذلك مؤلماً لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، يعلم الله سبحانه بذلك فيواسيه: “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون* فسبّح بحمد ربك وكن من الساجدين* واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”

     كل ما سبق لم يكن يتجاوز الإيذاء اللظفي, وإلا فالصراع طويل, يزداد وطأة كل يوم, ناهيك أنه همّ يحرق قلب صاحبه لولا أن ربط الله عليه. ففي كل يوم حدث, وفي كل يوم مصيبة, وفي كل يوم مواجهة, وكل يوم خطة جديدة للعدو. عُذب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جسدياً حتى الموت, حُبس آخرون, حتى النساء منهم. خرج صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف بعد أن اشتد عليه البلاء وكله أمل أن يكون أهلها اقل إيذاءً من قومه, فاستقبله الأطفال بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين.

     كان يعلم صلى الله عليه وسلم أن هذا الطريق ليس بالطريق السهل, فتحرير الإنسان يعني منازعة الملوك في سلطانهم, وقد طال برسول الله الأذى حتى تعرض في غير مرة للحبس والاغتيال والنفي “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبوك أو يقتلوك أو يخرجوك” أي حياة هذه التي تعيشها وأن معرض في أي وقت للاعتقال أو القتل, أي هناء في الدنيا حين تفقد الأمان؟ أكل هذا من تجل تحرير الإنسان؟

     ليس هذا أقصى ما وجده رسول الله من مواجهة, فقد بلغ الصراع إلى الدم, ففقد صلى الله عليه وسلم عمّه حمزة كما فقد غيره من أصحابه رضوان الله عليهم من أجل رسالته. وما كاد أن يهنأ صلى الله عليه وسلم بانتصاره على أهل مكة الذين كانوا أشد الناس عداوة له, حتى خرج له أعداء من أهل المدينة من اليهود والمنافقين. خانه اليهود في أكثر من مرة, حاولوا اغتياله بإلقاء صخرة عليه, وضعوا له السم في الطعام. أما المنافقين فلا يزالون في كل يوم يلمزونه بأفحش الكلام ويؤذونه في أهل بيته ويطعنونه في عرضه. وهكذا كان شأنه صلى الله عليه وسلم كل يوم.

     أليس هذا هو شان كل من يدعو لتحرير الإنسان اليوم أيضاً؟ ألسنا نعيش الصراع ذاته اليوم؟ وبالأساليب ذاتها؟ تجاهل فتسفيه, ثم تكذيب فتجريح, ثم تسليط السفهاء للسب والشتم والطعن بالأنساب والأعراض, ثم حبس فضرب فقتل. ويا سعدهم حين تفقد بعض صبرك وتنزل من ملائكيّتك إلى إنسانيتك فتغضب, يا فضيحتك حينها. مالك ومال لتحرير الإنسان؟ بل مالك وما لهذه العيشة؟ بل ما لك وما للعب مع الملوك وعلية القوم؟ هلا جلست في بيتك واقتصرت على ما تطيقه من تكاليف وعبادة؟ هذا ما يخطر في بال كل من يحمل هذا لأمر كل يوم.

     ما أشبه ذلك بحراكنا السياسي اليوم في الكويت وحراك الشعوب العربية عموماً. بل إن حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت حراكاً سياسياً فكرياً اجتماعياً. لسنا كرسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصحابنا ليسوا ككفار قريش, لكن الصراع هو الصراع, ولقد خلّد القرآن الكريم أحداث هذا الصراع وأساليبه وحواراته وتفاصيله اليومية ووصف ثقله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كي يكون دليلاً ومرجعاً لكل من أراد أن يحمل نفس الرسالة. القرآن معجزة الإسلام الخالدة الصالحة في كل مكان وزمان, لا يمكن أن يكون كل هذا التوثيق لصراع الرسول من أجل الحرية في القرآن مجرد تاريخ مضى لأمة مضت لها ما كسبت وعليها واكتسبت. 

     إن العمود الفقري للرسالة المحمدية الخالدة هي تحرير الإنسان، وإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ثم يأتي بعد ذلك سائر التكاليف، وذلك لأن التكليف منوط بالحرية، فكلما نقصت حرية الإنسان نقص تكليفه. لا يستطيع العبد أن يطيع سيّدَين, ولا إمرة لسيّد على عبدٍ له سيّد ثانٍ.

 

كيف نحسب النسبة الحقيقية للمشاركة في الانتخابات؟

1 comment »


جميع الأنظمة, الديموقراطية منها وحتى وغير الديمقراطية, يهمّها قياس توجه الشارع.. تقيسه الأنظمة الديمقراطية كي تلبي مطالب الناس وتفوز بولايات ودورات جديدة.. وتحرص الأنظمة الأخرى أيضاً على قياسه كي ترشي هذا وترضي ذاك وتضرب غيرهم وتحافظ على حكمها.
إلا في الكويت, فإن جماعتنا لا تريد قياس الرأي العام, بل لا تريد أن يقتنع أن التوجه العام للشعب في غير اتجاهها,  بل تدفن رأسها في الأرض كالنعامة كي لا تضع عينيها بعيون الجماهير الشعبية الغاضبة. فتحاول ايهام نفسها أنها محبوبة الشعب بالعمل على امتلاك قنوات وصحف إعلامية متعددة تؤيده، واختلاق مظاهرات موالية تهتف له، وإيصال مرشحين مرتشين وشراء ذمم نواب تزيد أنصارها في المجلس.
وهذا لا يغيّر من توجه الناس شيئاً، فالناس سيظلوا على قناعاتهم ولن تغيّرهم الأرقام والإحصائيات المزيَّفة، وقد تنجح الحكومة في تزييفها وتتباهى بنصرها الرقمي.. بينما تظل المشكلة الحقيقية أن واقع الناس على غير ذلك.

هذا ما يحدث كثيراً وحدث في انتخابات مجلس الأمة 2012/12, حين كان فريقَي البرتقالي والأزرق يترقبان نسبة المشاركة أكثر من تشكيلة المجلس, حين أعلنت المعارضة مقاطعتها للانتخابات بسبب مرسوم الضرورة الذي غيّر آلية التصويت, فأصبحت الانتخابات بمثابة استفتاء شعبي على قبول هذا المرسوم, فالذي يرفض المرسوم يقاطع, والمؤيد يشارك, ثم نحتكم إلى نسبة المشاركة. وكان السؤال المهم هو: كيف نقيس النسبة الحقيقية للمشاركين؟ وكم ينبغي أن تصل نسبة المقاطعة حتى تكون ناحجة, بل كم النسبة التي يريدها النظام حتى يقتنع أنه في الطريق الخطأ؟ وكم عدد المتظاهرين الذي يريد أن يراه النظام في المسيرات كي يخجل من نفسه.. 100 – 200 – 300 ألف؟
وهكذا صار الشعب مجرد أرقام لدى الدولة، لا مواطنين، فلو كانوا مواطنين حقاً لكان النظام يسمعهم ولو كانوا 1%. فلو كانت الأمور كلها تقاس على أغلبية وأقلية لماذا نلتفت إذاً للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة باعتبارهم أقلية؟
فالنظام الذي يعامل شعبه كمواطنين حقيقيين لا مجرد أرقام يحسب ألف حساب وحساب لمظاهرة من 100 فرد، أو لمطالب يتبناها 5٪ من الشعب، فما بالك بمظاهرة بمئات الآلاف في الكويت؟ وبمقاطعة ٣٥ نائب من أصل ٥٠ للانتخابات؟
إن غاية الديمقراطية تحقيق سيادة الشعب وحرية الفرد وحقوق الناس، هذه الثوابت خط أحمر لا تخضع لاستفتاء ولا يمكن لأغلبية أن تمسها، إذ ليس كل القضايا فيها “عدّوا رجالنا وعدوا رجالكم” .. من يطالب بحقه في الكرامة والحرية والالتزام بالعقد الاجتماعي والقانون لا يحتاج لأغلبية تسنده، هذه حقوق بديهية!
ثم لنفترض جدلاً أن نسبة المؤيدين لتوجه الحكومة 51% وأنا على يقين أنها أقل من نصف هذه النسبة، هل تعتبر ذلك نجاحاً حين تخسر 49% من الشعب؟
وعلى أية حال.. إن كان ولا بد من عدّ الرجال، دعنا نعدّهم، إن كان ذلك سيقنع الحكومة.
فعلى الرغم من أن نسبة المقاطعين الرافضين للمرسوم يمكن قياسها من عدد النواب السابقين الذين قاطعوا، والنواب يمثلون ناخبيهم، 35 نائب يعني 70% من الشعب. إلا أن البعض لا يرضى بهذه المعادلة.. ولا يرضى إلا بقياسها من نسبة المشاركة في الانتخابات.
لذلك أقول أن قياس النسبة الحقيقة للمشاركين المؤيدين للمرسوم يحتاج إلى معادلة حسابية بسيطة وضعتها في آخر المقال, أرجو ألا تقفز لها قبل قراءة معطيات المعادلة.
لو افترضنا أن نسبة المشاركة هي 28% كما أعلنت المعارضة, أو 34% كما أعلن المراقبون في الحركة الديمقراطية المدنية, أو 37% كما أعلنت الحكومة, فهذا بالتأكيد لا يعني أن المقاطعين كلهم هم أنصار الفريق البرتقالي المعارض, وذلك لوجود نسبة مقاطعة في كل انتخابات, نقدرها في الكويت بـ40%, قياساً على أكثر من انتخابات ماضية تراوحت في نسب المشاركة بين 58% إلى 65% .. يعني مبدأياً إن كانت المشاركة في الانتخابات 30% فذلك يعني أن المؤيدين للمرسوم هم 50% ..هذا اعتبار مبدئي أوّل يجب أن يدخل في المعادلة.

الاعتبار الآخر هو أصوات جديدة شاركت في انتخابات مجلس الأمة 2012/12 لأول مرة وهي أربع فئات:
الفئة الأولى هي أصوات الأقليات الجديدة التي لم تكن تشارك من قبل بسبب يأسها من إيصال ممثلين لها في ظل التنافس القوى للفئات الكبيرة, وأقصد تحديداً فئة من الحضر في الدوائر الرابعة والخامسة, قبائل صغيرة في الثالثة والرابعة والخامسة, أصوات شيعية في الدوائر الثانية والثالثة والرابعة والخامسة. هذه الفئات لم تكن تشارك بثقلها إذ كانت ترى أن الدوائر مغلقة ومحسومة, ورأت في الانتخابات الأخيرة فرصة ذهبية لا تتكرر للمشاركة, وقد لا يكونوا راضين عن المرسوم بقدر إغراء الفرصة, فهذه الفئة المشارِكة الجديدة لا ينبغي أن تُحسب لصالح الفريق الأزرق المؤيد للمرسوم.. وإلا لجاز للبرتقالي أن يحسب عموم المقاطعين لصالح فريقه.

الفئة الثانية هي اصوات الفزعة. حين أصبحت الانتخابات منافسة على نسبة المشاركة لا منافسة اختيار مرشحين, قام الفريق الأزرق بطلب الفزعة من مؤيديهم الصامتين للمشاركة ورفع النسبة. أبرز هذه الأصوات هي لأبناء الصباح الذين هم أدبياً ممتنعون أصلاً عن الترشيح والتصويت في جميع الانتخابات, كنوع من الحيادية وترك المجلس للشعب. لكن ولأول مرة في التاريخ نجد رئيس الوزراء يصوّت, صورة وزير الإعلام يدلي بصوته في الصحف, أوراد الجابر تضع صورة ختم انتخابات 2012/12 على جنسيتها في الإنستغرام.. منذ متى وأبناء الصباح يصوتون؟ كان التزام أبناء الصباح في المشاركة عالياً جداً, هم وأنسابهم والمقربون منهم, والتصويت بلا شك حق لهم, لكنها أيضاً أصوات جديدة يجب ألا تُحسب لصالح الفريق الأزرق.

الفئة الثالثة هي أصوات جديدة صوّتت متأثرة بالحملة الإعلامية الضخمة التي قادتها الحكومة في الصحف والقنوات الفضائية بالدعوة للمشاركة, وهذه هي المرة الأولى للحكومة تدعو الناس للمشاركة, وقامت الحملات الإعلامية الحكومية بتذكير الناس بحقهم الشرعي في التصويت, وأن الصوت حق مؤكد لكل مواطن لا ينبغي التنازل عنه, ولا تتركوا الكويت تضيع! منذ متى كانت الحكومة حريصة على مشاركة الناس؟ أضف إلى ذلك حملات الفتاوى الشرعية التي ربطت بشكل عجيب بين المشاركة وطاعة ولي الأمر!

الفئة الرابعة هي الأصوات الطائفية. وأفهم أن الأصوات الطائفية موجودة في كل الانتخابات السابقة, لكنني أعني هنا أصوات جديدة أضيفت عليها. ففي الحين الذي كانت اللعبة الطائفية غير فاعلة كثيراً في غير الدائرة الأولى, أصبحت في هذا الانتخابات فاعلة في كل الدوائر خصوصاً بعد إعلان المعارضة للمقاطعة وهم في الغالب من السنة, وأصبح بعض السنة متخوفين من تضاعف التمثيل الشيعي في المجلس, وغذّى الفريق الأزرق هذه الطائفية المقيتة لرفع نسبة المشاركة, فانهالت أصوات سنية وشيعية جديدة في هذه الانتخابات. مما يُذكر أن أصوات الشيعة في الدائرة الأولى 30 ألف تقريباً.. حصل مجموع مرشحي الشيعة في الانتخابات على 27 ألف, مما يدل على التزام شيعي عالي جداً في المشاركة. ومن أطرف وأبكى ما لاحظت, أن أحد المغردين يكتب في تويتر “سأشارك من أجل الكويت” ثم يرسل لي على الواتساب “شارك قبل لا ياكلونا الشيعة”!
هذه أصوات جديدة لا تُحسب لصالح الأزرق.

لقياس نسبة أدق للمعارضين أو المؤيدين للمرسوم, يجب أن تحذف هذه العوامل المؤثرة على نسبة المشاركة, لأنها عوامل خاصة بهذه الانتخابات فقط دون باقي الانتخابات السابقة.

أضف إلى الفئات السابقة أصوات يجب ألا تحتسب في جميع الانتخابات, ألا وهي الأصوات المشتراة.. وهذه نسبة من الأصوات لا تعبر عن الرأي العام لا في هذه الانتخابات ولا أي انتخابات سابقة أو قادمة, ناهيك أن شراء الأصوات اشتغل بشكل هستيري في هذه الإنتخابات بالذات.

لذلك تكون المعادلة الحقيقة الأدق لمؤيدي الفريق الأزرق المؤيدين للمرسوم = (نسبة المُشاركة في انتخابات 2012/12 / معدل نسبة المشاركة في عموم الانتخابات السابقة) – أصوات الأقليات الجديدة – أصوات الفزعة – تأثير حملة شارك – أصوات طائفية جديدة – الأصوات المُباعة

أترك للحكومة قياس النتائج وفقاً لهذه المعادلة, وأترك لها بالطبع تقدير نسب هذه الأصوات الجديدة, فهي أعلم كم الأصوات التي “نختها” واشترتها.
طلال الخضر ٤ ديسمبر ٢٠١٢

الجزيرة الحمراء- قصة خيالية غير سياسية

2 comments »


وجدوا أنفسهم بعد أن أفاقوا في ساحل جزيرة صغيرة كثيفة الأشجار استوائية المناخ طويلة النخيل, لا يبدو عليها آثار أقدام, ووجدوا بعض قطع مركبهم المتحطم قد سبح معهم إلى الجزيرة. لا شي يدعوهم للرجوع إلى بلدناهم, جزيرة جميلة ومناخ استوائي ونخيل يعانق السحاب, قرروا المكوث فيها بعد أن قام “حميدان” مع ثلاثة من أصدقاءه الشبان بجولة اسكتشافية سريعة حول الجزيرة فرأوها صالحة للعيش.

وفي المساء.. اجتمع الناجون حول صخرة كبيرة في ساحل الجزيرة على العشاء الذي كان عبارة عن فواكه استوائية وأرانب مشوية اصطادها “سحيم” وطبختها “حجية بزّة” وكان الكبار قد اتفقوا على مناقشة بعض الترتيبات الخاصة. قال أبوحميدان: لا بدّ لنا من أمير. كان الأمر شبه محسوم للشيخ رافع الذي عُرف بحِلمه وكرمه قبل تحطم المركب ويحظى بقبول جيّد بين الناجين، لا سيما أنه أكبرهم سناً. لم يخفَ على الشيخ رافع نظرات التخوف الطبيعي في عيني كل من مولانا الشيخ عبدالمنعم إمام الصلاة في المركب، والسيد “الرامزي” تاجر الذهب المعروف، ونظرات حميدان وبقية الشباب الواعد. فالتفت اليهم وقال مطمئناً: “الحكم شورى، على منهج الدين، والحرية مكفولة“.. صفق حميدان وصفق بعده الشباب بينما “يبّبت” الحجية بزّة من خلف الرجال وأومأ مولانا عبدالمنعم برأسه وابتسم السيد الرامزي ابتسامة عريضة، ونزل الرجال على مفاطيح الأرانب بينما دوّن أبوحميدان ما جرى وقيل في الاتفاقية ووقع عليها أهل الجزيرة الجدد وعُلقت “الوثيقة” على الصخرة الكبيرة في الساحل، ورُفع العلم الأحمر الذي كان مرفوعاً على المركب ليكون العلم الرسمي للجزيرة التي اتفقوا بعد أيام على تسميتها بالجزيرة الحمراء.

بدأ مولانا عبدالمنعم ومعه مجموعة من شباب الصحوة ببناء مسجد من سعف النخيل، وقام أبوحميدان بفتح حلقة علم يدرّس فيها الفلسفة والحساب وافتتح الرامزي كشكاً صغيراً يبيع فيه بعض الاحجارِ الكريمةِ التي يلتقطها من الطرف الآخر من الجزيرة. أما الشيخ رافع أمير الجزيرة فقد التفّ حوله مجموعة من الرجال الذين أعدوا له مجلساً مُزيناً ببعض الصخور والورود ليستقبل فيه الناس ويقضي أمورهم ويجتمع لديه مساءً السيد الرامزي ومولانا عبدالمنعم وأبو حميدان وكبارُ القوم، وتطوع “سميران” ليقوم بشؤون الشيخ رافع والذي قام بدوره بتعيين “زندان” المصارع الطويل حارساً شخصياً للشيخ لحمايته من الدب المفترس الذي يعيش في جبال الجزيرة والذي كاد أن يلتهم أحد أصدقاء حميدان في إدى رحلات الصيد بوسط الجزيرة.

استيقظت الجزيرة يوماً على صوت مدوٍّ يخرج من الساحل، تجمعوا سراعاً هناك وإذ بسفينة عظيمة تبدو أنها جاءت من عصر سابق لأوانه بقرون! رست بمسافة قصيرة من شاطئ الجزيرة وخرج من رَحمها قاربٌ صغيرٌ يرفعُ علماً أبيضاً متجهاً نحو الشاطئ، نزل منه ثلاثة رجال يرتدون البدلة وربطةَ العنقِ والنظاراتِ السوداء، تقدم لهم سميران على ريبة وقال: من القوم؟ مدّ أحد الرجال يده وقال: مرحبا، أنا سام.. ولدي سر خطير!

أخذهم سميران إلى مجلس الأمير رافع “يا حي الله من جانا” قال الأمير وبعد أن قام بواجب الضيافة تنحنح السيد سام ممهداً للأمير لاستقبال السر الخطير الذي جاؤوا من أجله.
“هذه الجزيرة مبروكة.. في بطنها رحمة البشرية جمعاء، وعزّ للجزيرة الحمراء، وفي جيبك ثراء“
بالتأكيد لم يفهم الامير رافع مقصد السيد سام سوى أنه هناك سائل يجري تحت الجزيرة له قيمة عند أصحاب العيون الزرقاء. لكن الجُملة الأخيرة كانت كفيلة بأن “يقهوي” سامَ وأبا سام وجدَّه.

بدأ سكان الجزيرة يألفون السفن الغريبة التي تأتيهم بين الحين والآخر والتي ينزل منها أصحاب العيون الزرقاء حاملين على أكتافهم معدات لم يروها في حياتهم من قبل، ثم  لحق تلك السفن زوارق حربية ينزل منها جنود مسلحون بأسلحة زرقاء. كان أبو حميدان يسأل الأمير رافع بين الحين والآخر عن هؤلاء الغرباء, لكنه لم يلق مرة جواباً واضحاً. لاحظ السكان زيارة وفود كثيرة للامير، ناهيك عن قدوم زوار من جزر مجاورة، وصاروا يتكلمون عن البيت الفخم الذي يُبنى للشيخ رافع على البحر، وبدأوا يلاحظون سمات الثراء على سميران ورفاقه. لا يهم من هؤلاء الزوار، ولا يهم ماذا يسكن الامير طالما أنهم شعروا أن أحوال الجزيرة أيضاً بدأت تتحسن.

لم يستمر الأمر بهذه البراءة, فقد شوهد أحد الأيام اثنان من أصحاب العيون الزرقاء يعاكسون “مزنة” ابنة الحجية بزّة أمام كشك الرامزي, وانتبه لهذا سحيم الذي كان عائداً من الصيد وجاء ليبيع الأرانب في السوق, فاشتعلت في نفسه نارُ الغيرة ورمى ما في يديه وانقض على أحدهما ليذبحه, ولما طرحه أرضاً وتمكن منه, شعر سحيم بيدٍ حديدية تقبضه من ثيابه وتعلو به في السماء وتهوي به على الأرض!
المفاجأة أنه كان زندان.

قامت الدنيا في الجزيرة ولم تقعد حين سمعت بما جرى في السوق ثم ما حدث لسحيم من ضرب فحبس. أسرع والد سحيم وأصدقاءه ومولانا الشيخ عبدالمنعم وأبوحميدان إلى الشيخ رافع للتأكد إن كان يعي ما حدث اليوم في السوق, وحينما وصلوا كان بيت الشيخ رافع محاطاً بزندان وأفراده المسلحين بأسلحة “زرقاء“!

أدرك الناس أن الوضع لم يعد كما كان في السابق, قال والد سحيم: رافع ليس رافع. وصاح حميدان بل هم أصحاب العيون الزرقاء: وقال مولانا عبدالمنعم: إنه السائل الذي دمرنا!

في اليوم التالي خطب مولانا عبدالمنعم في المصلين: إن وجود أصحاب العيون الزرقاء حرام في جزيرتنا, وصرّح أبوحميدان معلم الفلسفة والحساب لتلاميذه أن لو كان أفلاطون حيّاً في زماننا لاعتبر أن الاستقلالَ أساسُ المدينةِ الفاضلة. في اليوم التالي, لم يجد المصلون مولانا عبدالمنعم, ولم يجد الطلاب أستاذهم ابوحميدان!

صحت الجزيرة اليومَ التالي على خبرٍ مريعٍ لم يَسبُقُ في تاريخ الجزيرة. كان دخان النار يتصاعد من الطرف الآخر من الجزيرة, وزندانُ ورفاقه قد انتشروا في كل مكان حاملين الأسلحة الزرقاء. سرعان ما انتشر الخبر: سْلَيم أخو سحيم وأحد مريدي مولانا الشيخ عبدالمنعم مع ثلاثة من الشبان تسللوا ليلاً إلى مساكن أصحاب العيون الزرقاء وأضرموا فيها النار, نتج عن ذلك مواجهةً داميةً راح ضحيتها سليمٌ ورفاقه جميعاً.
“ارهابيون” همس السيد سام للأمير رافع “كلهم إراهابيون”
كان الأمير رافع الآن قد فهم المعادلة تماماً، “دع لهم السائل، وسيدعونك تاكل، ويكون حكمك غير زائل

 صار للأمير رافع قصوراً ضخمة مبنية من الأحجار الكريمة، كان أحدهم يقسم أن الاحجار كانت إهداءً من السيد الرامزي! حتى زندان وسميران لوحظ أنهما يلبسان خواتمَ من أغلى أنواع العقيق! صار رجال زندان يتواجدون في كل مكان، في المسجد والسوق ويحضرون حلقات العلم! وتسمع يومياً عن اختفاء من يستفسر عن هذا الثراء المفاجئ أو يتذمر من أصحاب العيون الرزقاء. أصبح الأمر في الجزيرة لا يطاق. كثرت معاكسات أصحاب العيون الزرقاء بفتيات الجزيرة بالسوق والطرقات بشكل جريء ووقح، بعضهن كن يتلذذن بذلك ويرضين غرورهن بالتغنج أمامهم، كيف لا ونساء الشعب المهزوم يملن دائماً إلى جنود الأعداء الفاتحين ولو كانوا قاتِلي أزواجهنّ! والبعض لم يكنْ لهنّ سوى إطراق رؤوسهن في الأرض, ولم يكن أحداً يجرؤ ليمارس دور البطولة، ولا حتى سحيم الذي خرج من الحبس مُعلّماً على وجهه كان يكتفي بالاستغفار وغض البصر. كم كان ذلك مخزياً.

خرج مولانا عبدالمنعم وخرج معه أبوحميدان بعد فترة حبس ليست بالقصيرة وسط استقبال محفوف من الاهل الاصدقاء. كانت المنابر قد اشتاقت لهؤلاء الأحرار. امتلأ المسجد بالمصلين من الرجال والنساء لسماع خطبة مولانا الذي خطب فيهم عن مفهوم ضرورة التعايش مع الواقع والخضوع لحكم المتغلب وحرمة الخروج عن الطاعة والجهر بالنصيحة! قاطعه أحد طلبته المتحمسين أثناء الخطبة باستنكار خطابه الذي لم يُعهد عليه من قبل. ففاجئه مولانا عبدالمنعم بسؤال مباغت يبدو من الواضح أنه أعدّه مسبقاْ: مالفرق بين سنن وواجبات الوضوء؟! يا بنيّ دع الدين لأهله!

أبوحميدان الفيسلوف المثقف الشهير لم يكن أفضل حالاً, صار يبرر الوضع ويقول: إن الارهاب سببه انفصام بالشخصية والحاجة إلى تحقيق الذات كما يشير هرمُ ماسلو! وكان يُشعر مستمعيه بالضعف حين يصغون إليه وهو يستشهد بكانط ونيتشه وفرويد وفولتير!
كان أحد مريدي مولانا عبدالمنعم قد لاحظ خاتماً من أفخم أنواع العقيق في اصبعه وكان يتسائل إن كان يوجد فرعاً لكشك التاجر الرامزي في الحبس! 

وتداول أهل الجزيرة الصغيرة قصائد الشعراء في مدح الامير رافع التي تثني على شجاعته بعد أن انتشر خبر قتله الدب المفترس الذي كان مصدر رعبٍ الجزيرة, والذي قتله في الحقيقة قناص من أصحاب العيون الزرقاء! وانهالت عليه القصائد التي تصف حكمته بعد أن قام بالصلح بين مريدي الشيخ عبدالمنعم وطلاب الاستاذ أبوحميدان إثر شجار حدث حول موضوع زندقة الفلاسفة وظاهرية الأصوليين، حتى أن بعضهم تيقن أن الحكم سينفرط لو كان الأمر لغير الامير رافع وسادت قناعة أنه لن يتوافق سكان الجزيرة على غيره، متناسين أن سبب الخلاف بينهما كان فتنة دبرها سميران! وبدأ الناس تتحدث عن كرَمه حين أمر بعطايا لكل بيت في يوم العيد، وحين يَذكر أحدهم تحرشات أصحاب العيون الزرقاء بأخواتهم، يرد عليه آخر بثقة: كل شيء يهون طالما كنت تأكل وتشرب ، ويقول ثانٍ: احمد الله على النعمة ولا تنظر للأمور من زاوية ضيقة. ويجيبه ثالث فيقول: الامير رافع أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين! ويفحمه رابع فيقول: فليغادر الجزيرة من لا يعجبه حكم الامير رافع. ويقول خامس: نحن أحسن من غيرنا .. الجميع كان يحب الأمير رافع, كيف لا وهو الشيخ الوقور البشوش الذي ينعم دائماً على أبناءه من أهل الجزيرة, وهو بالتأكيد لا علاقة له بجرائم زندان وتحرشات أصحاب العيون الزرقاء.

مرّ حميدان ورفيق دربه سحيم على الصخرة الكبيرة في الساحل التي عُلقت فيها الوثيقة وقرأ فيها ما كتب الآباء المؤسسين في اجتماع الصخرة: “هذا ما اتفق عليه العم رافع وأهل الجزيرة, الأمر شورى, على منهج الدين, والحرية مكفولة“
قال سحيم: ألا يبطل العقد حين يُخلّ أحد الطرفين بشرط من شروط العقد؟
– نعم يا سحيم, لكن أهل الجزيرة اليوم لديهم شرط واحد. شرط واحدٌ فقط.. ثم يشير إلى معدته!

أُعلن في الجزيرة عن قيام جلالة الأمير رافع حفظه الله بزيارة السوق ليلتقى بأبناءه المواطنين من سكان جزيرة الحمراء. “هذه فرصتنا” قال سحيم “ستكون مناسبة حاشدة, سيخصص في زيارته كلمة لمولانا عبدالمنعم وللسيد الرامزي وكلمة لممثل شباب الجزيرة”
– لا يخفى عليك أنه يستحيل السماح لأمثالنا بإلقاءها
– أنت يا حميدان صاحب سجل نظيف, ولم تنخرط بعمليات إرهابية ثورية بعد, ولو استطعنا أن ندفع بك للإلقاء كلمة شباب الجزيرة, فأنت نموذوج للشاب المعتدل, وسمعة والدك تسبقك. سنقول له أنك نقضت العهد يا شيخ رافع, سنقول أن الجزيرة أصبحت لا تطاق, سنقول له أن استقلالنا أغلى من ذاك السائل الرخيص الزائل. ستكون ضربة قاضية على الأمير رافع, سنحرجه أمام الملأ بكلمة حق تصل مداها إلى الجزر المجاورة, إنه دورك اليوم يا حميدان لتصدح بكلمة الحق أما سلطان جائر!

صبّحت الجزيرة على يوم الزينة صباحاً استثنائياً, وقد عُلّقت الورود فوق مدخل السوق, وهُيّءَ المكان لجلوس جلالة الأمير ومن خلفه الحضور يقابله منصة عبارة عن جذع نخلة مقطوع , وانتشر رجال زندان في كل مكان لتأمين وصول الأمير رافع إلى السوق, الحشود قد ملأت المكان, وكان سميران قد حفّظ الأطفال بعض هتافات التمجيد واصطفهم بجانبي مدخل السوق ليستقبلوا أباهم. هاهو الأمير رافع يصل إلى السوق وسط تصفيق وهتاف وزغاريد يحيطه زندان بجسمه الحديدي يقوده لصدر المسرح. وعلى الطرف كان يجلس حميدان متوتراً كإرهابي مستعد لتنفيد عملية استشهادية. “فليحدث ما سيحدث, لم أعد أبالي” هكذا كان يحدث حميدان نفسه “سيجرجروني ويمزقوني قطعاً وسينقض سميران علي ليقاطعني ويرميني لزندان, لكن بعد ماذا؟ بعد أن أكونَ قد قلت ما فيه الكفاية, ستكون تلك ضربة قوية, ينكشف فيها الوجه الأسود لبطش الأمير رافع, تسجل فيه الجزيرة واحداً من أهم أيامها في التاريخ”
ليس من السذاجة التوقع أن سميران كان ليسمح بالكلمات أن تُلقى دون مراقبة سابقة يشرف عليها شخصياً, فلا مكان لكلمة أمام جلالة الأمير رافع دون مستوى الطلبقة والدمعزة, حتى الأسئلة ما كان لِيُسمَح بها إلا التي تحمل في طياتها التمجيد والتعظيم أيضاً, كسؤال كيف استطاع جلالتكم بحكمته رأب الصدع بين الفلاسفة والأصوليين؟ أو هل لفخامتكم أن تحدثنا كيف قتلت بشجاعتكم الدب الأبيض المفترس؟ أو هل سيستمر كريم عطاياكم وجزيل هباتكم في الأعياد القادمة؟

جلس الأمير رافع وجلس بعده الحضور الغفير وتقدم عريف المناسبة بالترحيب بجلالته دون باقي الناس وكأنهم غير موجودين وكيل أيات التعظيم بكل ما أوتي من قاموس الربوبية والألوهية والأسماء والصفات وبعد انتهاء وِردِهِ الطويل قال: ولتسمح لي جلالتكم أن أقدم بين يديكم أبناءكم من شباب الجزيرة ويمثلهم حميدان بن أبي حميدان..

مشى حميدان بخطوات متثاقله رافقه تصفيق متوسط إلى وصوله المنصة, وما التفت إلى الحشود حتى ساد الصمت. كانت مئات الأعين تحدق في حميدان, رأى حميدان والده أبا حميدان بين الحضور ينظر إليه بفخر واعتزاز, رأى مزنة بنت الحجية بزة وهي ترمقه بنظرة بين العتاب والأمل, رأي في عيون سحيم ورفاقه من الشباب الواعد الترقبَ والاستعداد, رأى سفير العيون الزرقاء بجانب الأمير رافع, ثم التفت ورأى سميران بنظرته الجاده, بجانبه زندان الذي تحدق فيه عضلاتُه لا عيناه, ثم رأى الأمير رافع وهو ينظر إليه بابتسامة جليلة ومهيبة. خفض حميدان بصره إلى الورقة التي بيده, طواها ووضعها في جيبه, وأخرج من جيبه الأخرى قصاصة صغيرة وبدأ يتلو:
“إنه من بالغ الشرف أن نقف أمام جلالتكم لنزف إلى فخامتكم عظيم الشكر على تشريفكم لنا, وباسم شباب الجزيرة أزف إليكم عميق الولاء والانتماء, دمتم ذخراً للجزيرة وأهلِها, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”