أحياناً عندما أقرأ في بعض الكتب .. فأجد لفتة طريفة أو قولة بليغة .. فأسجلها في حاشية الكتاب أو أضع علامة تدل على مكانها ..ء
أما ما حدث البارحة كان أمراً غريباً .. فشعرت وأنا أقرأ في كتاب الأغاني وكأن يداً تخرج من بين السطور وتقبض على كتفي فتهزه هزاً عنيفاً .. فأشعر برجفة حقيقية تنتابني .. فأستفيق من عالم القراءة مندهشاً لأجد عيني مبتلة بالدمع ..!ء
لقد كنت أقرأ قصة نصر بن حجّاج السُلمي .. سأرويها بأسلوبي
________________________1
قال الحارث بن همّام نزيل يثرب :ء
كان من عادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. التجوّل في أنحاء المدينة ليلاً, يراقب بنفسه ويطمئن على أحوال الناس .. فمرّ على أحد بيوت المدينة فسمع فتاة تنشد أبياتاً غريبة وكانت تُدعى فريعة بنت همّام الزلفاء .. تقول:ء
يا لَيت شعريَ عَن نفسي أزاهقةٌ=منّي وَلَم أقـــضِ ما فيها من الحـــاجِ
أَلا سبــــيلَ إِلى خمرٍ فَأشــــربها=أَم لا ســــبيلَ إلى نـــــــصر بن حجّاجِ
إِلى فَتىً ماجدِ الأخــلاقِ ذي كرمٍ=سَهلِ المحــيّا كــــــريــمٍ غـير ملجاجِ
تنميهِ أَعراقُ صدقٍ حيثُ تنـسبهُ=تُضيء سنّتهُ في الحـــــالــك الداجي
نعمَ الفَتى في سوادِ اللّيلِ نصرتهُ=لبـــــائـــسٍ أَو لملــهوفٍ ومحتــــاجِ
تعجب عمر من هذه الأبيات .. فسمع امرأة أخرى تخاطبها .. تقول: ومن يكون هذا نصر بن حجاج؟
قالت : رجل , أود لو كان معي طول ليلة , ليس معنا أحد .ء
غضب عمر من هذا الكلام .. كيف يحدث هذا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم !؟ فسأل عن هذا الرجل .. فإذا هو نصر بن حجاج بن علاظ السلمي .. من أجمل الشباب وجهاً .. فخاف عمر أن يفتن هذا الشاب فتيات المدينة .. وكان عمر رضي الله عنه حريص على أن لا تقوم فتنة .. فلا ينتظر الفتنة أن تقوم ثم بعد ذلك يقوم بإخمادها .. بل إنه لا يدعها أن تقوم أصلاً ..عنده الوقاية خير من العلاج .. وهذا من حكمة عمر .ء
ثم إنه استدعى نصر بن حجاج .. فإذا هو أجمل الشباب شعراً وأصبحهم وجهاً ( هكذا جاء وصفه
) .. فأمر عمر بحلق رأسه, بغية أن يخفف من جماله قليلاً ..ء
فضاق نصر من قرار عمر .. وقال: ما ذنبي يا أمير المؤمنين أن يمنّ الله علي بوجه حسن؟
فقال عمر: والله إن الذنب لذنبي إن تركت النساء يتغنون بك في مدينة رسول الله.ء
فجُزّ واستُئصل شعره كما جاء في الكتاب ( أي حلقوا له شعره على الصفر).. فقال نصر أبياتاً يشكو فعل عمر به .. يقول:ء
لظن ابن خــــطـاب عليَّ بجُمّــة=إذا رجلت تهُزُ هزَ الســلاســلِ
فصــلَّع رأســــاً لم يصــلّعه ربه=يــرفُ رفيـفاً بعد أســود جائـلِ
لقد حسد القرعان أصلع لم يكن=إذا ما مشى بالفرع بالمتخايلِ
لكنه بعد أن حُلق شعره ازداد جمالاً
.. وكما تقول الرواية ( فخرج وله وجنتان كأنهما شقتا قمر ) من جماله !!ء
فلمّا رآه عمر .. ورأى أنه ازداد جمالاً .. أمر أن يغطي رأسه .. فلبس نصر العمامة فازداد جمالاً على جماله
!!ء
فبعد أن رأى عمر نصراً قال: والله لا تسكانني في أرض يتمناّك النساء بها
وأمر عمر نصر بالتجهّز للرحيل إلى البصرة .. وهذا القرار الصعب من عمرما كان إلا من أجل حماية المدينة المنورة, عاصمة الإسلام, وحرم النبي, ومسكن كبار الصحابة .. فإذا تجرأ أهل المدينة على هذه الأعمال فما يكون مصير باقي مدن الاسلام التي تتخذ من المدينة المنورة قدوة لها..؟ء
span>
___________________________ 2
سمعت فريعة بخبر نفي نصر بن حجاج .. أدركت أن سبب نفيه هو أبياتها التي سمعها عمر .. فخافت على نصر وخافت على نفسها من عمر أن يؤاخذها بما قالت .. فأرسلت إلى عمر بأبيات تقول فيها:ء
قل للإمام الذي تُخشــى بوادره=مالي وللخـمـر أو نصر بـــن حجـاج
إني بُليت أبا حفـصٍ بغــيرهـما=شــرب الحلـيب وطرفٍ ساتر ساجي
ما مُنية قلتها عرضاً بضــائرة=والــناس من هالـكٍ قدماً ومـــن ناجِ
لا تجعل الظن حــقا أن تبيــّــنه=إن السبيل سبيل الخائــــف الراجــي
إن الهوى زمّه التقــوى فقــيّده=حــــتى يــــــقــر بإلجــام وإســـــراج
هذه الأبيات في منتهي الجمال والعفة .. تعلل فيها الفتاة ما قالته سهواً في نصر, وأن ما قالته كان من فرط التمني ونزغة الشيطان, وإلا فإن لها من الحياء والإيمان ما يمنعها فعل الحرام.. وفي ذلك معنىً كبير.. وهو أن الهوى لا يسلم منه بشر وإنما يتفاوت الناس عند الله أيهم يقيّد هواه بلجام التقوى .. وفي ذلك ما قاله البوصيري عن نفسه:ء
من لي بِردِّ جِمــاحٍ من غَوايتـــها=كما يُــرَدُّ جِمـــــاحُ الخَيلِ بالـلُّجُمِ
فاصْرِفْ هواها وحاذر أن تُوَلِّيَهُ=إنَّ الهوى ما توَلَّى يُصمِ أَو يَصِمِ
سأل عمر عن أخلاق فريعة بنت همّام فوُصِفت له بالعفاف .. فأرسل إليها يطمئنها وقال: ما علمت منكِ إلا خيراً, أما نصر .. فأخاف على نساء المدينة منه..
وكان قد بكى عمر من أبياتها .. وقال: الحمد لله الذي ربّط الهوى بلجام التقوى.. ء
________________________3
أمر عمر نصراً بالالتحاق مع أول قافلة للبصرة..وأمر أن يٌعد له من الزاد والمال ما يصلحه .. وكان نصر قد أرسل لعمر الوسائط والشفعاء من كبار الصحابة حتى يُثنوا عمر عن قراره .. وأصر عمر على نفيه..ء
فجاء نصر لعمر حزيناً وقال : لقد سُمْتني قتل نفسي ( أي إنك قتلتني)ء
فقال عمر : وكيف ذلك؟
فقال نصر: الله تعالى قال ذلك “ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم” .. فجعل الله الخروج من الوطن كقتل النفس!ء
فقال عمر: ما أبعدت (أي كلامك صحيح) لكن حسبي قول شعيب ” إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت” .. وإني قد أضعفت عطائك ( أي دبل معاشه
) .. وإني مسيّرك لا محالة
ثم سار نصر إلى البصرة راحلاً عن أرضه تاركاً أهله
____________________4
وبينما كان يمشي عمر في ضواحي المدينة .. إذ تعترض طريقه عجوز .. فقالت : والله يا أمير المؤمنين .. لأقفن أنا وأنت بين يدي الله عز وجل يوم القيامة .. ينام عبالله بن عمر وعاصم ابن عمر إلى جنبك .. وبيني وبين ابني الفيافي والجبال والصحاري!ء
فإذا هي أمّ نصر
فتأثر عمر من قولها ثم قال: إن ابنيّ لم تهتف بهما العواتق في خدورهنّ ( أي عبدالله وعاصم لم يُفتنا فتيات المدينة ) ء
___________________5
وبعد مرور الأيام والشهور الطوال على غربة نصر بن حجاج في البصر وكاد أن ينساه أهل المدينة .. فإذا بقافلة محمّلة بالبريد من البصرة .. ومن بينها رسالة إلى عمر تقول:ء
لعبدالله عمر أمير المؤمنين .. سلام الله عليك ..ء
لعمري لئن سيرتني أو حرمتني=وما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفيا على غير ريــبة=وقد كا
ن لي بالمكــــتين مقــــــــام
لإن غنّت الزلــفاء يومــا بمنــية=وبعض أمـــاني النــساء غـــــرام
ظننت بي الظن الذي لو أتيـــــته=لما كان لي في الصـــــالحين مقام
فيمـــــنعـني مما تقــول تكـــرمي=وآباء صـــــدق ســــــابقـون كرام
ويمنــــعها ممــا تمنــت صلاتــها=وحالٌ لها في قومـها وصــــــــيام
وما نلت ذنبا غــير ظــن ظـننــته=وفي بعض تصديق الظـنون أثـام
فهاتان حالانا فهل أنت مُرجعــي=فقد جُــبّ مني كاهـــــــــل وسنـام
إمام الهدى لا تبتلِ الطرد مسلـما=له حــــرمة معــــــروفة وذمــام
عندما وصلت إلى نهاية الأبيات .. وجدت دموعي تنهمر لا إرادياً على صفحات الكتاب .. مع إنني عصيّ الدمع شيمتي الصبر كما كان أبا فراس ..ء
لقد بكيت .. وبكي عمر بن الخطاب أيضاً من وجد نصر لأرضه وأهله .. ومن مشاعره التي سطرها نصر في هذه الأبيات بصورة أدبية رائعة ..
معاني في قمة الرقي والسمو .. هكذا كان المجتمع في أخلاقه و وعفّته .. وهكذا تربّت النفوس على مجاهدة الهوى ..ء
لكنّ عمر أصر على رأيه .. رغم تأثره بحال نصر .. وما كان لعمر أن تحكم عواطفة مصالح المسلمين .. رحم الله عمر
____________________6
ثم بينما كان يمشي عمر كعادته بين ضواحي المدينة .. إذا سمع همساً لفتيات داخل بيتٍ صغير .. وكانت البيوت من طين أو خشب , فلا تعزل الصوت عن خارج الدار ..ء
فسمع إحداهن تقول: أي فتيان المدينة أصبح؟ (أي من هو أجمل شباب المدينة بعد نصر؟)ء
فقالت أخرى : أبو ذئب والله
ههههه
فأسقط في يدي عمر
.. وهو بالكاد تخلّص من نصر .. ويأتيه الآن أبوذئب ..ء
فسأل عمر حاشيته : من أبو ذئب هذا, اءتوني به ..فإذا هو ابن عم نصر بن حجاج وكان من أجمل الشباب
فلما رآه عمر قال : أنت والله ذئبها أنت والله ذئبها أنت والله ذئبها .. لا والذي نفسي بيده لا تجمعني بك أرض أبداً
فقال أبو ذئب : وما ذنبي يا أمير المؤمنين ؟
قال عمر : أبداً والله .. لا أدعك تفتن نساء المؤمنين
فلما رأى أبو ذئب إصرار عمر قال: يا أمير المؤمنين, إن كنت لابد مسيّري .. فأرسلني حيث أرسلت ابن عمّي
وبالفعل .. سار أبو ذئب إلى البصرة حيث ابن عمّه نصر ولم يرجعا حتى مات عمر .. انتهى
* * * * * * * *
وبعد انتهائي من قراءة القصة .. وجدت نفسي أنشد أبياتاً نزلت علي من السماء .. قال الحارث بن همّام:ء
ليَـبْـتَـلي الله بالـــــوجه الجــميل فتىً=من المصــــائب والتـــغريب والمِحــن
جنى الجـــــمال على نصـــرٍ فأبعـــده=عن الأحبه سُكنَ الــدار والـــــــوطـن
فقد رمى الحسنُ نصراً حين غــــرّبه=كما حدا الحُسنُ بالصّدّيقِ في السجنِ
ولم يزل يســــتبدّ الحـــسنُ صــاحبـه=حتى أبو ذئب لم يــــــسلم من الوهَــن
وزهرة الأرض لولا حُــــسن طلعتها=لما تجــنــّت يـــــــدٌ يوماً عـــلى الفــننِ
*** *** ***
"right">
ء 16 دولة عربية تستسلم لمؤتمر أنابولس الصهيوني .. ء
48 comments »