كما توقعت .. كان الحوار سياسياً أكثر منه للفكر والحجة العقلية .. وإن مناظرة حول موضوع الاختلاط في الجامعة ينبغي أن تُناقش من زاوية فكرية يُستند فيها إلى الحكم الشرعي, وعرف أهل البلد,و آراء التربويين والأكاديميين واهل الإختصاص .. هكذا تورد الإبل.ء
المناظرة التي أقامها الاتحاد الوطني لطلبة الكويت في الجامعة أمس حول موضوع الاختلاط- وهو حديث الساعة – أستضيف به النائب علي الراشد وعبدالله النيباري كطرف مؤيد للاختلاط, وجمعان الحربش وفيصل المسلم كطرف معارض ..ء
لم يكن حضوري للندوة رغبة بسماع رأي فكري قد أقتنع به وأتباه .. لأنني كنت متأكداً أن الحوار لن يكون على هذا الشكل, بل جئت لأسمع وجهة نظر علي الراشد في تقديمه طلب إلغاء قانون منع الاختلاط وسبب إثارته للموضوع في هذه الفترة بالذات .. وأردت كذلك سماع ردة فعل الحربش والمسلم من هذا الطلب وما سيقوموا به في المجلس للتصدي لهذا الطلب .. الحوار كان كما توقعت سياسياً لا فكرياً.ء
وكان المنطق السياسي يؤكد أن الاختلاط مرفوض برغبة الغالبية الكاسحة من طلبة جامعة الكويت الذين أدلوا بأصواتهم للقوائم الثلاثة الأولى والتي لها موقف واضح في معارضة الاختلاط .. فالائتلافية والمستقلة والقائمة الإسلامية الذين يمثلون أكثر من 85% من أصوات الطلبة تعارض الاختلاط .. وهذا المنطق صحيح .. إذ أن القرار في النهاية يحدده الأغلبية ونحن في بلد ديموقراطي.ء
لكن .. كنت أتمنى أن تكون لدى الطلبة قناعة كاملة حول موضوع الاختلاط سواء بالمعارضة أو بالتأييد .. تمنيت أن يسمع الطلبة حواراً فكرياً عقلياً مستتنداً بشواهد من الشرع ومدعم بآراء أهل الاختصاص من الأكاديميين والتربويين وغيرهم .ء
لذا .. سأضع رأيي حول هذا الموضوع من منطلق فكري .. وربما هو رأي وسط بين المعارضة والتأييد ..ء
أقول .. إن مبدأ اجتماع الرجال بالنساء بحد ذاته ليس محرماً شرعاً .. وكلام الرجال مع النساء بحد ذاته ليس محرم شرعاً .. يعني أن الاختلاط بحد ذاته لم يرد فيه تحريم شرعاً .. فالناس تجتمع رجالا ونساءاً في الحرم المكي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم .. بل إن الصحابة والصحابيات كانوا يلتقون ببعضهم ويتحدثون في الأسواق وفي الطرقات وفي مجالس العلم وحتى في المسجد للصلاة .. وكان ذلك بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم .. واستمر هذا الأمر في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين .ء
إذاً الاختلاط لوحده ليس محرماً في الشرع .. لكن .. مالفرق بين اختلاط الرجال والنساء في الحرم .. واختلاط الشباب والفتيات في ستار أكاديمي علي سبيل المثال؟ مالذي يجعل الاختلاط في الحرم جائزاً .. وحراماً في ستار أكاديمي ؟
إنها الأجواء .. الرجال والنساء في الحرم يجتمعون على عبادة وطاعة .. ويجتمعون في مجالس العلم للتعلم .. أما اجتماعهم في برنامج ستار أكاديمي فهو للرقص والانحطاط .. شتان بين البيئتين .. فالبيئة الأولى بيئة نظيفة أستبعد وقوع فجور علني فيها .. أما البيئة الثانية بيئة غير نظيفة لا آمن على الشباب والفتيات من ارتكاب المعصية .. ء
أشبه ذلك بمثال .. لو وضعنا عود كبريت بالقرب من البنزين في غرفة يملؤها غاز ثاني أكسيد الكربون .. فإني لا أخشي أن يقام حريق في الغرفة لأن غاز ثاني أكسيد الكربون من الغازات التي تخمد النار .. أما إن كان عود الكبريت مجتمعاً مع البنزين في غرفة يملؤها غاز الهيليوم المساعد على اشتعال النار .. فإني لا أستبعد أبداً أن تحدث كارثة هنا .. ء
والرجال والنساء كعود الكبريت والبنزين .. إذا اجتمعا في بيئة نظيفة فلا حرج في ذلك, وإن اجتمعا في بيئة ملوثة حُرّم اجتماعهم ..ء
.
السؤال هنا .. ما هي الأجواء في جامعة الكويت ؟ هل هي أجواء نظيفة كثاني أكسيد الكربون أم ملوثة كغاز الهيليوم ؟
من وجهة نظري .. أرى أن الأجواء العامة في الجامعة نظيفة ولله الحمد .. فاجتماع الطلبة والطالبات على أمر راقي وهو التعلم يجعل من الجو العام جواً سليماً .. بغض النظر عن النوادر من الحوادث السيئة التي غالباً ما تحدث خارج الحرم الجامعي وهذا لا يهمني .. لأن المهم أن لا يظهر تصرف غير أخلاقي جهراً أمام الناس وهذا أمر شبه معدوم بالجامعة, لأني أتصو
ر أنه لو تجرأ أحدهم بتصرف غير أخلاقي جهاراً نهاراً أمام الطلبة فإن الطلبه سيوفقونه عند حده إن لم يرجموه .. أما إن قام طالب وطالبة بتصرف مشين خارج الجامعة سراً فأمرهم إلى الله ولسنا رقباء على العاصي المستتر حتى لو بلغ مرحلة الزنى سراً ولم يشهد عليه أربعة شهداء فلا حد عليه في الدنيا وحسابه على الله
تعالى وما يهمني هو الظاهر ..ء
>
على أن للاختلاط شروط .. أولها أن الخلوة ممنوعة شرعاً لحديث ” أيما رجل خلى بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما” .. والخلوة هي لقاء رجل بامرأة في مكان لا يرهما فيه الناس لمدة كافية للزنى .. يعني خلوة الرجل بالمرأة في المصعد الكهربائي لايعتبر خلوة لأنه لا يتجاوز الثواني المعدودة .. الشرط الثاني عدم الخضوع في القول ” فلا تخضعن في القول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا” .. ويعني ذلك أن الطالبة عليها أن تراعي ضحكاتها وصوتها بين الطلبة .. جاز لهما الحديث والحوار مع بعضهما في المواضيع الهادفة تحت إطار الاحترام والعفة .. أما الأحاديث الجانبية التي لا هدف لها فلا أرى لها أي داعي لا بين الشاب والفتاة ولا بين الشباب والشباب .. الشرط الثالث والأخير هو الاحتشام في اللباس وخصوصاً للطالبات .. صحيح أن الدين لا يكره المرأة بارتداء الحجاب بل لا يكره الناس على الدين نفسه .. والإسلام أثبت الحرية الشخصية .. لكن هناك حدود لها الحرية .. للمرأة حرية في عدم ارتداء الحجاب ولكن ليس لها الحرية في عدم ارتداء الملابس .. الحرية هنا تتعدى على الآخرين .. فاللبس المحتشم هو اللباس الأنيق الذي لا يثير الطرف الآخر رجالاً أو نساءً ..ء
>
أما ما يستدل به البعض أن أمريكا فصلت الجنسين في بعض المدارس والجامعات بسبب فشل مبدأ الاختلاط وتفشي ظواهر غير أخلاقية بين الطلبة والطالبات وتأثير ذلك على التحصيل العلمي .. فذلك لأن الغرب ليس لديه مثل ضوابطنا وشروطنا التي حددها لنا الإسلام .. فالاختلاط عندهم لاضابط له وشتان بين اختلاطهم واختلاطنا.ء
>
أصل في النهاية إلى نتيجة نهائية .. أنني أؤيد الاختلاط مادامت في ظل هذه الشروط , وأشترط أن يطبق قانون اللباس المحتشم في الجامعة بشكل صحيح وأشترط أن يصدر قانون يمنع الخلوة .. بالاضافة إلى أنه يجب على الجهات التوعوية في الاتحاد أو الجامعة أن توعي الطلبة بفقه الاختلاط وضوابطه وشروطة الشرعية – من باب التذكير فحسب – وإلا فإن المجتمع الكويتي مجتمع محافظ على مبادئ دينه وأعرافه .. والمجتمع لا يمكنه أن ينهض بعزل عمل الرجال عن النساء .. فكلاهما يعملان سوياً .. يتعاونان مع بعضهما .. يتشاركان في الأهداف والرؤية .. يتشاوران في الآراء .. مع مراعاة ثوابتنا الإسلامية .. هذا هو الإسلام .ء
48 comments »