سد الذرائع هي قاعدة فقهية .. وتعني: تحريم أمر مباح .. خشية أن يؤدي إلى حرام
.
على سبيل المثال : إذا افترضنا أن هناك شارع تنتشر فيه الخمارات وبيوت الفاحشة .. فإنه يحرم التجول في هذا الشارع خشية أن يقع المارّ فيه بفعل الحرام .. وإلا فالأصل أن التجول في الشوارع أمر مباح ..لكن نحرمه هنا من باب الاحتياط.. ء
.
هذه القاعدة ثابتة عند الحنابلة والمالكية وكثير من أهل الفقه. ء
.
والعلماء في سد الذرائع منهم من بالغ في سد الأبواب وإقفالها .. ومنهم من فتح الباب على مصراعيه .. بل منهم من كسر الباب ورفض القاعدة أصلاً.. ء
.
فمن الذين بالغوا في سد الذرائع .. الذين قالوا بتحريم تعلم المرأة في المدارس والجامعات .. خوفاً من أنها تـَفتـِن أو تـُفتـَن .. ء
وهم أيضاً الذين حرموا قيادة المرأة للسيارة .. خشية أن تحدث معاكسات وغيرها .. ونرى هذه الفتوى في السعودية ..ء
ومنهم من قال لايجوز زراعة العنب .. لأنه ربما يستخدم العنب في صناعة الخمر .. فدعونا نسد الباب ونرتاح .. انطلاقاً من قاعدة الباب اللي يجيك منه ريح .. سده واستريح! ء
.
وأنا أعتقد – وأعوذ بالله من الافتاء- أن الفقيه المعتدل المتوازن هو الذي يزن هذه الذرائع ويقيسها بالمسطرة .. فإن كان الفعل له احتمال كبير أن يؤدي إلى مفسده .. فالفقيه هنا يستطيع أن يحرم هذا الفعل .. كأن يحرّم أن نحفر حفرة في الطريق العام .. لأن الحفرة على حسب العادة ستؤدي حتماً إلى وقوع أحد فيها .. ء
.
أما إذا كان الفعل له احتمالات بعيدة أن يؤدي إلى مفسدة .. ونادر أن يؤدي إلى حرام أو ضرر .. فلا ينبغي لنا أن نحرمه ونعطل مصالح الناس ونحرم عليهم أموراً نافعة يندر أن تؤدي إلى حرام .. كالأمثلة الثلاثة التي ضربتها .. تعليم المرأة وقيادتها للسيارة وزراعة العنب .. ولو أريد أن أخمّن نسبة النساء الذين وقعوا في الفساد بسبب خروجهن للمدارس والتعليم في الجامعات .. كم نسبتهن؟ وقارنها بنسبة الفائدة والمصلحة التي تحققت من وراء خروجها من البيت وتعلمها .. فهذه الأمور من النادر جداً أن تؤدي إلى فساداً .. فلو أغلقنا باب الذرائع على أي أمر (قد) و(ربما) يؤدي إلى فساد .. لحرمنا كل شيء .. لأن كل أمر في الدنيا قد يؤدي إلى مفسدة .. حتى العبادات .. ء
.
وهناك أمور تقع بين البينين .. أمور فيها مصلحة .. وقد تؤدي إلى مفسدة بدرجة معقولة .. يعني وقوع الحرام فيه واقعي ومنطقي بنسبة 50%.. هنا اختلف العلماء .. هل نسد الباب ونرتاح .. أم ندعه مفتوحاً؟
.
مثل ماذا؟ الفن على سبيل المثال .. الفن والانشاد أو الغناء .. الفن والغناء في واقعنا مريض وفاسد بشكل عام .. وهذي النقطة لا أقبل جدالاً فيها .. فالغناء تحول الى حب وغرام فاحش وتحول من صوت ونغم جميل إلى صور عارية وفيديو كليب مثير .. والفن كذلك .. ء
.
هل نحرم الفن والغناء؟
.
مثال آخر .. التحاور بين الجنسين .. الحوار بين الجنسين في الجامعة او العمل او غيرهما أمر ليس محرم في أصله .. وهو أمر فيه مصلحة ومنفعة .. والرجل والمرأة يحتاجون إلى الحوار في كثير من المواطن .. لكن الحوار قد يتطور مع الزمن إلى اعجاب ثم الى حب ثم الى مصيبة .. وهذا واقع صحيح .. ء
.
هل نحرم الحوار بين ا
لجنسين؟
.
مثال ثالث : السهر إلى ساعة متأخرة من الليل تؤدي في كثير من الأحيان إلى تفويت صلاة الفجر .. هل نحرم السهر؟
هذه الأمور .. التي هي بين البينين .. هي محط خلاف .. ولي رأي فيها .. ء
.
العقل يقول .. أن تحريمها سيعطل علينا بعض المصالح لكنه يسد باب الفساد ونرتاح ..ء
وإباحتها سيفتح لنا مصالحا ومنافعاً .. لكنه سيفتح أيضاً باب الفساد .. ء
.
ما العمل إذاً؟
من رأيي أن هذه الأمور لا نسدها ..لكن يجب أن نضع لها ضوابط وأصول .. هذه الضوابط إذا التزمنا بها .. ستخفف بدرجة كبيرة من احتمالية وقوع الفساد من خلالها .. وهذه الضوابط يجب أن يعيها الناس ويلتزموا بها ..ء
فنضع ضوابطاً للفن .. وضوابطاً للحوار بين الجنسين .. كأن لا يكون الحوار فيه خضوع بالقول .. ولا يكون الحوار في خلوة .. ولا تكون المرأة متبرجة أو تضع العطر .. وغيرها من الضوابط المناسبة لمجتمعنا .. ثم نمارس هذه الأمور بهذه الضوابط.ء
.
بعد ذلك .. أي بعد أن نضع الضوابط .. تأتي قضية مهمة .. وهي استفتاء القلب .. ليستفتِ كلٌ منا قلبه .. هل هذا الأمر ربما يوقعني في الحرام؟ هل نسبة انزلاقي للحرام ممكنة وراء هذا الفعل؟ .. كلٌ واحد منا أعلم بنفسه وأدرى .. فاستفتِ قلبك ولو أفتاك الناس .. فإن شعرت أنك تأمن على نفسك من الفتنة إلى حدما .. فافعل .. أما إن شعرت في داخلك بخوف من الفتنة .. فالأولى أنك تنصرف عن هذا الأمر .. فالمسألة هنا تقديرية ..فأنا شخصياً .. أعلم في نفسي أن السهر عندي سيؤدي إلى أن تفوتني صلاة الفجر .. فالسهر بالنسبة لي حرام .. أما غيري ربما لا مشكلة عنده في أن يسهر ويقوم للصلاة .. فالسهر لديه مباح ..ء
.
فاستفت قلبك .. وقدر الأمور لنفسك .. لكن إياك أن تنسى بأنك محاسب أمام الله عز وجل في أعمالك .. ومحاسب على استفتاءك هذا .. واعلم بأنك لو فتحت لنفسك باباً دخلت فيه إلى منكر .. فأنت وماعملت .. وهنا يظهر معنى التقوى الخوف من الله ..ء
.
اللهم ارزقنا الفهم .. قولوا آمين .. ء







.
62 comments »