درجة الحرارة في واشنطن تتراوح بين 7 الى 8 تحت الصفر.. الثلوج المتساقطة تملأ المنظر بياضاً .. والرياح الشديدة تزيد الجو صقيعاً.. ء
يصيبني الذهول حينما أرى الأمريكان يلبسون الشورت من غير جوارب يمشون في الشارع بكل بساطة واضعين سماعة الاي بود على آذانهم بينما لا تكاد خمس طبقات من الملابس مع (السكارف)  والقبعة أن تحفظ جسمي من الزمهرير! ء

على أية حال.. كانت الزيارة الأولى إلى مبنى وزارة الخارجية الأمريكية حيث كان لقاءنا مع اثنين من ممثلي الوزارة.. ء
أولهما كانت السيدة كارين شاندلر عضو إدارة التواصل مع المجتمعات الاسلامية التابع لوزارة الخارجية الامريكية.. تعني هذه الإدارة بالتواصل مع الأفراد في المجتمعات الإسلامية لا الحكومات من خلال برامج ولقاءات عامة مع الشباب المسلم في كل مكان.. ء
 لم تكن هذه الإدارة موجودة قبل انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة.. ويتضح لي من خلال لقائي مع السيدة فرح بانديث رئيسة إدارة التواصل مع المجتمعات الاسلامية حينما التقيتها في الكويت مع مجموعة من أعضاء اتحاد الطلبة.. أن إنشاء هذه الإدارة هي ضمن سياسة اوباما الجديدة لفتح علاقات جديدة مع الشعوب الاسلامية والتقرب منهم وفتح باب الحوار ومد يد التعاون والسلام للوصول إلى مستوى عيش أفضل لنا جميعاً .. (في الصورة السيدة بانديث)..  ء

اتضحت هذه السياسية الجديدة لأوباما من خلال زياراته لتركيا ومصر وإلقاء خطابه المشهور الذي خاطب فيه الشعوب الاسلامية ومن خلال زيارة هيلاري كلنتون لنيجريا أيضاً.. ء

من المهام الاستراتيجية لهذه الإدارة إعداد الدراسات والبحوث المكثفة عن طبيعة كل دولة مسلمة ومعرفة طبيعة حياة شعبها وعاداتهم وطريقة حياتهم وفئات مجتمعاتهم إلى أدق من ذلك من التفاصيل.. وقد أرسلت أمريكا مسؤولاً عن هذه الإدارة في كل دولة مسلمة لدراسة المجتمع وإقامة البرامج الحوارية معه.. وهذا ما رأيته بعيني من خلال دعوة وُجّهت لي ولمجموعة من الشباب في الكويت من السفارة الأمريكية أكثر من ثلاث مرات خلال العام الماضي.. كانت دعوة للعشاء على شرف السفيرة الأمريكية وعلى شرف السيدة فرح بانديث رئيسة إدارة التواصل والتي عرضت علينا فكرة المشروع وأهدافه ثم كان العشاء الذي فتح المجال لاختلاط أعضاء السفارة بالشباب الكويتي للحديث والحوار عن الشأن العالمي العام والاستماع إلى آراء الشباب في هذه القضايا..ء

أعتقد أن هذه خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح لسياسة أمريكا الجديدة إن كانت صادقة وجادة فعلاً في أهدافها المعلنة.. برافو أمريكا.. ونحن كمسلمين أولى من غيرنا بهذه المشاريع.. يجب أن نستمع إلى الآخرين ويجب أن نفتح الحوار مع الغرب والشرق للتعرف أكثر وكسر الحواجز ومعرفة الآخر المجهول الذي نظنه أحياناً شبحاً لجهلنا به.. هذا هو مبدأ الانفتاح المعتدل الذي لا ذوبان فيه وجمود .. ولا انكسار فيه ولا استكبار.. ء

لقاءنا الآخر كان مع شخصية دبلوماسية  فريدة جداً.. كان السفير الدكتور جون ليمبرت هو آخر سفير أمريكي في إيران.. وكان من الذين احتجزوا في السفارة في أحداث 4 نوفمبر 1980 حينما اقتحم الطلبة الإيرانيون السفارة الأمريكية في  بداية الثورة الإيرانية. حدثنا السفير عن هذه الحادثة بالتفصيل وعن أسبابها ونتائجها.. وهذه الحادثة تعتبر تاريخة ومشهورة ومعروفة إلا أنني ولأول مرة أسمعها من السفير الامريكي الذي كان داخل السفارة أثناء الاقتحام الذي أضاف إليها مالم تنقله وسائل الاعلام ولا تذكرها الروايات التي تذكر هذه الحادثة.. ء


صورة للسفير جون ليمبرت مع علي خامنئي في الثمانينات

لم يكن السيد ليمبرت دبلوماسياً فقط.. بل كان أستاذاً في كثير من الجامعات الأمريكية .. بل كان أستاذاً في جامعة شيراز 69-72.. ولديه مؤلفات كثيرة في الشأن السياسي الإيراني منها “إيران.. حرب مع التاريخ” وكتاب “التفاوض مع إيران” وكتاب “شيراز في عهد حافظ” .. ولن يكون مدهشاً بعد هذه المؤلفات أن تسمع الدكتور ليمبرت يتحدث عن أحداث فتنة الصحابة ومعركة صفين بين علي ومعاوية ثم حادثة استشهاد الحسين والأثر العميق لهذه الأحداث لدى الشيعة في إيران وكأنه شيخ أو داعية إسلامي يتحدث بطلاقة عن تاريخ الإسلام! ء

تكلم الدكتور بشكل عام عن القطيعة بين امريكا وايران ومحاولة امريكا لاستعادة العلاقات.. لست متأكداً إن كانت هذه وجهة نظره أو وجهة نظر الادارة الامريكية عموماً.. لم يعجبني رده على سؤالي بخصوص حق إيران بامتلاك السلاح النووي الذي قال فيه مبرراً استنكاره لبرنامج ايران النووي: إن كانت الطاقة النووي سلمية فلا بأس أما إن كان سلاحاً نووياً فماذا ستفعل إيران بسلاح نووي!!؟
والرد البديهي لهذا السؤال بسؤال مثله: ماذا تفعل إسرائيل وأمريكا والهند بسلاح نووي!؟

لكنني أتفق مع عموم كلامه فيما يتعلق بضرورة فتح الحوار واستعادة العلاقات الصادقة

على أية حال..هذه أول رسالة أريد إيصالها لإخواني قراء المدونة.. أنظروا إلى مدى معرفة الأمريكان بنا نحن المسلمين.. أنظروا كم تصرِف الدولة على الباحثين وعلى مراكز البحث لدراسة المجتمعات غير الأمريكية وتقيم الإدارات المعنية بذلك.. كلما تزيد معرفتي بالآخر كلما كان خطابي له صحيحاً سليماً مراعياً فيه طبيعته ومعتقداته.. وهذا المبدأ ينطبق على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول.. ء

هذه صورة من صور أمريكا