لا تزال تتوالى الصدمات علي لما أراه من عجائب أمريكا الدولة.. أمريكا المؤسسات.. أمريكا المجتمع.. وربما زيارتي لأمريكا كانت من أجل التعرف على الأمريكات الثلاث.. وأحب أن أذكر كلمة قالها أحد الإخوة المتابعين لمقالاتي الأمريكية السابقة حينما قال لي ممازحاً: أصَبِئت يا هذا؟؟ فقلت: بل أسلمت.. فقد رأيت في أمريكا إسلاماً من غير مسلمين .. وفي الشرق رأيت مسلمين من غير إسلام.. ولا أزال أسمع من يقول: خربوك ياطلال .. اغسلوا مخّك ياطلال! ء

إذاً دعوني أعزائي القراء ان أغسل “مخوخكم” بعد إذنكم ونأخذكم في جولة لأحد المشاهد السياسية الأمريكية لتنكلم عن أحد أهم عوامل اتخاذ القرار السياسي في أمريكا.. ء

أهم عوامل اتخاذ القرار في أمريكا هي البيت الأبيض أولاً متمثلاً بالرئاسة الأمريكية الذي تُقدر نسبتها في صنع القرار 30% .. وعندما أقول الرئاسة الأمريكية فأعني به شخص الرئيس الذي يترأس الوزارات الخمس والأجهزة الأمنية والإستخباراتية.. تأتي بعد ذلك السلطة التشريعية المتمثلة  بالكونغرس النواب والشيوخ  (هاوس – سينيت) والذي له النصيب الأكبر في صناعة القرار الأمريكي.. ء

هذه عوامل مباشرة لصنع القرار في أمريكا.. وهناك أربع عوامل أساسية غير مباشرة وهي أولاً الشركات التجارية العملاقة التي تتكفل بأغلب تكاليف الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة والكونغرس..كذلك الإعلام المرئي والصحفي الذي يشهد صراعاً دامياً بين الأطراف السياسية وتكاد تكون القنوات الفضائية والصحف اليومية مقسمة بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي بل حتى شركات الانتاج السينيمائية.. ولاحظوا ذلك في الضرب المستمر من قنوات فوكس المحسوبة على الجمهوريين على أوباما الديموقراطي.. ء

تأتي بعد ذلك جماعات الضغط او (اللوبيات) وهي المجموعات التي لا تطمح للحكم لكن تمارس الضغط على الرئيس والنواب عن طريق المال والدعم في الانتخابات.. أو بالابتزاز وتلفيق الفضائح.. وجماعات الضغط تتوع ما بين جماعات عرقية ودينية ومهنية ..طبعاً أقوى هذه الجماعات هي الايباك (اللجنة الامريكة الاسرائيلية للشئون العامة) تسمى أيضاً باللوبي الصهيوني وربما تكون لنا سلسلة مقالات خاصة بالحديث عن اللوبي الصهيوني, هذا موقعهم .. وبالمناسبة فإن هناك لوبي عربي ولوبي فلسطيني ولوبي إيراني ولوبي إسلامي وسنتحدث لاحقاً عن اللوبي الاسلامي في أمريكا (منظمة كير) إن شاء الله .. لكنها للأسف لا تناطح قوة اللوبي الصهيوني الذي له نفوذ في الكونغرس وهوليوود ووال ستريت .. وربما اذكر موقفاً يبين فرق النفوذ بين الصهاينة والعرب في أمريكا حينما رفضت صحيفة “واشنطن بوست” نشر إعلان تقدم به اللوبي الفلسطيني بعدما قام رجل أعمال يهودي بتهديد الصحيفة بإيقاف نشر إعلانات شركاته فيها! ء

 

العامل المهم الذي أود الإشارة إليه في مقالي وهو الشاهد من الموضوع.. هو مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية ودورها في صنع القرار وهذا مالا نملكه في الكويت خصوصاً ولا في العالم العربي عموماً.. ء
عندما تمر البلاد بأزمة مالية مثلاً كالتي نعيشها الآن.. ماهي القرارات الصحيحة التي يجب أن تُتّخذ لحل هذه المشكلة؟ من يضع هذه الحلول؟ هل هو الرئيس أم الكونغرس؟ أم هم كُتاب المقالات في الصحف الذي يشكلون الرأي العام؟ أم أساتذة الجامعة المتخصصين؟ لنأخذ مثالاً على الكويت .. هل إشهار الأحزاب في الكويت جيّد أم سيّء؟ هل الدائرة الواحدة أفضل أم لا؟ هل نصبح دولة تجارية أم صناعية؟ هل مشروع الداو ناجح أم فاشل؟ هذه الأسئلة على كثرة تداولها بين الناس.. من هو أفضل من يجيب عليها؟ بل كيف نستطيع الإجابة عليها إجابة علمية دقيقة خاضعة لمعايير الدراسات والبحوث؟ هنا يأتي دور مراكز الدراسات الاستراتيجية والعلمية التي تستعين بها الحكومة الأمريكية لرسم خططها وتحديد قراراتها.. ء

هذه المراكز مستقلة.. ولا تتبع الحكومة حتى لا يسيطر عليها الحزب الحاكم ويتلاعب بنتائج دراستها.. وقد كانت لنا زيارة لأحد أكبر مراكز الدراسات الإستراتيجية في أمريكا بل في العالم وهو مركز بروكنغ للدراسات الاستراتيجية في واشنطن وكان لنا لقاء مع أحد المسؤولين هناك.. صُنّف بروكنغ بالمرتبة الأولى في مراكز البحث الاستراتيجية من مجلة (فورين بوليسي) .. تقوم عموماً هذه المراكز بعمل بحوث ودراسات لقضايا استراتيجية مختلفة وربما أهم القضايا التي تهم أمريكا اليوم هي الطاقة والأزمة الاقتصادية وأمن الشرق الأوسط وأمن أمريكا.. وتدرس هذه المراكز هذه القضايا من خلال أدوات علمية دقيقة جداً تحت أحدث معايير البحث العلمي وبعمل جماعي من متخصصين متنوعين.. وتطول مدة دراسة ملف واحد لسنوات وتصل تكاليفها ملايين الدولارات.. وتستعين الحكومة الأمريكية بهذه المراكز بشكل رئيسي في اتخاذ القرار وتطلب منهم باستمرار دراسة قضايا معينة مختلفة وبناء قرارات الدولة وفقاً لنتائج هذه البحوث.. طبعاً هناك آليات كثيرة تحفظ جودة نتائج البحوث وتمنع أي طرف سياسي بالتلاعب بها.. شاهد التقرير في موقع البيت الأبيض وتعاونه مع مركز بروكنغ ء

IMG_0367
صورة بعدستي لمبنى مقر بروكنغ في واشنطن.. الله يخلي الآيفون

الآن تأتي المقارنة.. كم مركز بحث استراتيجي في الكويت؟ في العالم العربي؟ في أمريكا؟ 
الكويت صفر.. يوجد مركزاً واحداً في الامارات (مركز الخليج للبحوث).. ويوجد حوالي ثلاث مراكز في مصر منها (مركز الاهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية) .. ويوجد في إيران حوالي 8 مراكز.. 15 في إسرائيل.. و 300 مركز في أمريكا.. يمكننا أن نفتخر بالدكتور عبدالله النفيسي الذي أسس مركز ابن رشد للدراسات الاستراتيجية لكن مقره في لندن! ء

إن السياسيون ليسوا هم من يضع الاستراتيجيات البعيدة بل هم ينفذونها.. إنما يضعها المفكرون والمنظّرون.. نعم ربما وُجد السياسي المنظّر لكن هذا نادر جداً.. بل حتى الاعتماد على أفكار المنظرين والمفكرين (نسميهم عندنا مستشارين) أصبح اليوم غير كافياً.. فكثير من القرارات الخاطئة التي اتخذناها في الكويت كانت بسبب ضعف دراسة القرار وتدخل غير المتخصصين بالافتاء فيه.. كمشروع الداو مثلاً.. هذا المشروع لا يحدد صلاحيته رجل سياسي.. ولا حتى خبير متخصص في البتروكيماويات.. فلو كان هذا المشروع يطرح في الكونغرس الامريكي لكان قد نُقل إلى المراكز الاستراتيجية لدراسته بأحدث وسائل وأدوات البحث العلمي الذي يضم فريق متجانس من الخبراء.. ء 

هكذا يُصنع القرار في أمريكا

طلال الخضر