الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.. ء

أتقدم ابتداءً بالاعتذار إلى مقام العلماء الأجلاء لخوضي في هذا الموضوع وهم أكبر مني سناً وأكثر علماً.. ء

لكن المنهج القرآني يعلمنا أن الحق أحق أن يُتبّع.. وأن الرجال يُعرفون بالحق وليس الحق يُعرف بالرجال.. وكان هذا أيضاً رأي السلف الذين قالوا أن كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر – وأشار مالك إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. ء

من الأخطاء الشاسعة في فهم الآراء الفقهية لدينا.. اعتقاد الكثير أن الرأي الفقهي الأكثر انتشاراً وشهرة هو الأقرب للصواب من الرأي الأقل شهرة.. أو أن الرأي الذي يذهب له أكثر عدد من العلماء أصوب من الرأي الذي يذهب له عدد أقل.. وكأن الأمر ديموقراطية يفوز بها الأكثر عدداً.. أما الكارثة الأكبر عندما يصل البعض إلى مرحلة تقديس بعض العلماء الذي يعد رأيهم من المسلّمات فلا يرى صواباً غير رأيهم.ء

المصيبة الأكبر منهما جميعاً.. هو عندما يجتهد أحد العلماء برأي مبني على اجتهاد ونظر في الأدلة الشرعية والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية (ولو كان اجتهاداً غير صائب).. فيتهمه مخالفوه أن هذا الرأي مبني على هوى وضعف في العزائم وضعف في الإيمان وطعن بالنيات واتهام بالفتنة والزندقة! ء

تأملوا معي في قصيدة الشيخ سعود الشريم إمام الحرم المكي الذي قالها في الرد على فتوى الشيخ عادل الكلباني إمام الحرم المكي في جواز المعازف..القصيدة مليئة بهذه الكوارث التي ذكرناها أعلاه 

أرفق بنفسك فالحياة قصيرة            مهما تعش فيها من الأزمان
أرفق بنفسك لا أخالك جاهلا         إن اتبـاع الحق في الإذعان

يشير هذين البيتين إلى إظهار الشفقة على الرأي المخالف.. وكأن المخالفين مساكين قد حجب الله عنهم العلم والفهم.. وهنا يذكّر الشريم الكلباني بقصر الحياة الدنيا وكأنه يعظ شخصاً مذنباً قد أسرف على نفسه في الحياة الدنيا في المعاصي وكأن الاجتهاد المخالف يعتبر معصية! ء

إني أعيذك أن تكون مكابرآ         فارجع إلى ما كنت من إحسان
بالأمس كنت إمام أطهر بقعة        شهرآ أمام البيت ذي الأركان
واليوم أنت مع المعازف مفتيآ         بجـــــوازها ياخيبة الإخوان

لماذا يعتقد الشريم أن الكلباني مكابر؟ هل يقصد أن الكلباني يعرف أن المعازف حرام لكنه يكابر عن الحق.. يا خيبة الإخوان!!؟

هل تاق سمعك للفتـاة أصالة           أم تقت سمعآ للمخضرم هاني
هل أنت مشتاق لنبرة عـجرم       أم صرت ترقب عاصي الحلاني

أعوذ بالله.. وهل أصبح من يبيح المعازف يكون قد أباحها لاشتياقه لسماع عجرم واصالة؟ يعني أن الكلباني قد ضعف أمام جمال صوتهما ولذلك أجاز المعازف ضعفاً وهوى لا عن دليل وحجة! ء
بالاضافة أن هذا الاعتقاد هو خلل فكري.. أرى من وجهة نظري أنه خلل أخلاقي أيضاً مع كامل احترامي لمقام العلماء ومقام الشيخ سعود. ء

أم قد سئمت مـن التلاوة مدة        فأردت تبديلآ لـــها بأغـــــاني

يقول الشيخ سعود: الكلباني قد سئم من تلاوة كتاب الله واستبدلها بالأغاني.. وترك كتاب الله ! لا تعليق

هل ضقت ذرعآ من إمامة مالك        وإمامـــة الفذ الفتى النعماني
والشافعي الألـــمعي محمــد           أو رأس أهل السنة الشيباني
هل ضقت ذرعا بالأئمة كلهم            ورحمت كــــل مزمر فتـــان

وهذه تقع ضمن المصيبة الأولى التي ذكرناها في الأعلى.. وهو تقديس العلماء ورفعهم إلى مقام النبوة.. والاعتقاد بأن من خالف الأئمة أنه قد ضاق ذرعاً من كلامهم وقد مال إلى كل مزمر فتان! إذا أن مخالفة ابي حنيفة ومالك والشافعي ابن حنبل يعتبر مخالفة للإسلام!ء

لاحظوا إلى الآن لم يناقش الشيخ سعود الرأي.. بل كل ماقاله كان اتهاماً لشخص صاحب الرأي.. وهذه حالة أزلية في كل زمان ومكان ولا أستهدف هنا شيخنا الجليل سعود الشريم تحديداً الذي نكنّ له بكامل الاحترام والتقدير.. وهي عندما يخرج أي شخص برأي يخالف غيره.. يُقاوم هذا الرأي باتهام شخص قائله ويُطعن بنواياه.. وهذا بالضبط ما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من كفار قريش.. ماذا كان يقول كفار قريش؟ ألم يقولوا عنه مجنون.. ساحر.. كاهن.. شاعر؟ هل ناقش أحدهم مبادئ الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم وحاول أن ينقضها؟ أوحاول أن يثبت بالحجة والدليل أن الأصنام أحق بالعبادة؟

وهذا الاسلوب استعمله فرعون لموسى أيضاً عندما عرض له موسى دين الله وقال ”إنّا رسول رب العالمين”  رد عليه فرعون” ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين* وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرينء

أعتقد أن أمتنا الإسلامية لا تزال تعاني أزمة حوار داخلي.. وأزمة في تقبل الآراء المخالفة.. وللأسف يظهر هذا بشكل واضح لدى أهل الدين و العلم الشرعي أكثر من عموم المسلمين.. وهذه ظاهرة غير صحية في المجتمع الإسلامي وترجع بنا إلى تخلف فوق ما نحن عليه من التخلف.. ء
إن سنة الله في الأرض تشير إلى  أن الصواب يغلب الباطل.. وأن الفكرة الصائبة تغلب الفكرة الباطلة بالحجة والبرهان.. ولذلك لا ينبغي علينا أن نحجر على من نعتقد بخطأ رأيه ولا أن نخاف منه.. لأنه لو كان فعلاً على خطأ فإن رأيه  لا شك سينهزم وستبقى الفكرة الحق.. ء

 وهذا هو منهج القرآن الكريم الذي لم يتحرج أبداً من ذكر أقوال أهل الكفر” قل إن كان للرحمن ولدُ فأنا أول العابدين” “لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا” “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” .. وهو منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يحجر أبداً على آراء يهود المدينة, بل كان يجادلهم ويجادلونه أمام المسلمين حديثي العهد بالإسلام ولم يخش عليهم من الانحراف وراء آراء اليهود.. وذلك أن سنة الله تقضي بأن الزبد يذهب جفاءً.. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض

والله من وراء القصد