عندما نبدأ في تعلم أي شيء جديد كاللغة الفرنسية أو حرفة التصوير أو فن الخطابة على سبيل المثال .. فإننا لا نتقدم باستمرار , ولا نتطور تدريجياً بنسبة ثابتة , بل إننا نتفاجئ من تقدمنا الغير متوقع في زمن قياسي !! ثم ماذا ؟ ثم بعد ذلك نبقى في مكاننا لقترة , أو ربما نتراجع , ونفقد بعض الأسس التي اكتسبناها سابقاً , وفترات الجمود والتراجع هذه معروفة جيّداً لدى علماء النفس , يسمّونها ” المنبسطات في منحنى التعلّم ”

في هذه الفترة .. يتوقف تطور المهارة لدى المتدرب أو الهاوي .. أو يكون تقدمه بطيئاً .. بالرغم من استمرار التدريب والممارسة لكن لا نتيجة .. وتستمر الفترة لمدة أسابيع أو أشهر .. بعد ذلك تراه يعود ليتقدم ويبدأ ليكتسب المهارة بدرجة عالية ..
الشاهد أنه خلال فترة ” الجمود” .. كثيراً من يستسلم وييأس وينفك عن التدريب ظانّا أنه بلغ حداً لن يتجاوزه .. وأنا أراهن أن أغلبنا وقع في هذه المصيدة .. وأنا أولكم ..فقد كانت لدي حرفة الخط العربي , بدأت بممارستها وحققت تقدماً مذهلاً في فترة خيالية .. ثم مررت في فترة الجمود هذه .. وشعرت أني مع استمراري بممارسة الخط يومياً لم أعد أحقق التطور الذي كنت ألاحظه يومياً في السابق .. فباختصار تركت الخط .. وما كنت أعي وقتها أن فترة الجمود هذه هي فترة تطوّر خفيّة سأرى نتيجتها المبهرة بعد أسابيع قليلة ..

لذلك أقول .. لا تسقط أنت في هذا الفخ .
لا زلنا نتكلم عن فن الخطابة ..و تطرقنا في المقالة الماضية عن أهمية هذه المهارة في إقناع الناس وتوصيل أفكارنا بشكل واضح .. وانطلقنا في الحديث عن المهارات التي يفعلها الخطيب الناجح قبل إلقاء كلمته , كمعرفة الجمهور أولاً و تحديد أهداف الكلمة , والتحضير الجيّد . وما سنتكلم عنه الآن ..يعتبر في علم الخطابة أهم ركنين في الخطبة على الإطلاق .. إذا ما أتقنهما الخطيب .. سيكون قد أتقن ثلاث أرباع الخطبة .. ألا وهما المقدمة .. والخاتمة !

لو كنت في مسرحية , وأردت أن تعرف الممثل المميّز .. فلاحظ الحركات التي يفعلها الممثل لدى دخوله وخروجه من المسرح .. ستجد أن لديه قدرة عجيبة على شد انتباه الجمهور من اللحظة الأولى .. ثم يعطي انطباعاً ايجابياً عند خروجه ..

الحال ينطبق بالضبط مع الخطيب البارع .. فتراه يحاول أن يقدم أفضل ما عنده في أول دقيقتين من البدأ بكلامه .. لماذا ؟

لأنه في الواقع .. ما إن يبدأ الخطيب حديثه .. فإن الجمهور سيعطيه فرصة لدقيقتين فقط ليثبت بها نفسه .. دقيقتين فقط .. فإذا لم يستطع الخطيب السيطرة على الجمهور خلال هاتين الدقيقتين .. فليعتبر أن كلامه سيكون موجهاً للهواء الموجود خارج الغرفة .. وذلك لأن لسان حال المستمع يقول : ” عندك شي نسمعه ؟؟ تفضل قول .. إذا ماعندك أرجوك استريييييح ” ء

فالمتكلم الذكي .. هو الذي يفتتح بمقدمه مثيرة يأسر بها الانتباه في الحال ..

كيف تفتتح خطابك بمقدمة قوية ؟

* جرب أن تسأل سؤالاً.
تتميز دائماً افتتاحية الدكتور حاكم المطيري – أستاذ مادة السيرة النبوية – بظاهرة جميلة , فكثيراً ما يبدأ كلامه بسؤال محيّر يستدرج فيه انتباه الطلبة ويشركهم في التفكير معه في الموضوع , ولا زلت أذكر سؤاله الصاروخي الذي افتتح فيه محاضرته :” أيهما أكثر جاهلية ؟ جاهلية قبل الإسلام أم جاهلية القرن العشرين !!!؟” .. إن هذا السؤال الإفتتاحي هو واحد من أبسط الطرق و أضمن الوسائل لفتح أذهان المستمعين والدخول إليها .. جرب ذلك عندما تبدأ حواراً مع مستمعيك .

* لم لا تبدأ بقصة ؟
دائماً ما أستمتع بسماع القصص التي يبدأها الدكتور عادل الزايد في مقدمة حديثه .. فأذكر مرة أنه استهل محاضرته التي تكلم ينتقد فيها التقليد الأعمى فقال : ” أذكر مرة قرأت مقال للشيخ الراحل فهد الأحمد , يقول كنت مدعو في بريطانيا لحضور سباقات الكلاب “أجلكم الله” .. وكنت في المنصة الرئيسة أنطر السباق يبدا.. وجنبي اثنين كويتيين قاعدين ويتحلطمون على الاتحاد الكويتي لكرة القدم ويقولون لي انت سويت وفعلت و خربت … فسألتهم : من وين يبتوا هالكلام هذا ؟ فقالوا : والله سمعنا .. قالوا لنا !! .. يقول ومع السوالف جان تدش الجلاب لساحة السباق .. والا أشوف الاثنين اللي يمّي من بد الناس يقومون يوقفون .. استغربت وقلت لهم شفيكم وافقين ؟؟ قالوا : سمعنا أن في بريطانيا لما تدخل الجلاب لساحة السباق .. نوقف لها احتراماً !!” .. ثم يكمل الدكتور حديثه منتقداً التقليد وسماع الإشاعات ..
إن هذا النوع من الافتتاحيات لا يفشل أبداً , لأنه يمضي قدماً في قصته ونحن نتابع معه نريد أن نعرف مالذي سيحدث ..

style="color:#ff6600;">* ابدأ بتقديم مثل .
أذكر في العام الماضي في المهرجان الخطابي لأحدى القوائم المنافسة على مقاعد الهيئة الإدارية لرابطة كلية العلوم الإدارية في الجامعة .. ابتدأ أحد المتكلمين خطابه :” بسم الله الرحمن الرحيم .. “لودامت لغيرك ما اتصلت إليك” .. حكمة خالدة .. نقرأها دائماً عندما نمر على قصر السيف في شارع الخليج .. والحكمة هذه من الضروري تعليقها على مقر الرابطة !! “ ثم استمر بكلامه عن مدى استعداد قائمته على الفوز بالانتخابات .. وكان افتتاحه ناجحاً .
إذاً .. ابدأ بمثل .. ثم سلّطه على الواقع أو علّق عليه ..

* الجأ إلى الاستعراض .
ربما أسهل طريقة في العالم لجذب الانتباه .. هي القيام بشيء مثير يتطلع إليه كل الناس , حتى المتوحشين والأغبياء والأطفال في مهودهم والقردة والكلاب في الشارع سيتنبهون لهذا النوع من الإثارة !

مثال على ذلك .. أذكر أنه في أول محاضرة لي في الفصل الصيفي السابق لمادة علم النفس .. دخل الدكتور خضر البارون للفصل ورفع يده عالياً ممسكاً بقطعة نقود معدنية .. فما كان من الطلبة إلا الهدوء والنظر بفضولية نحو يد الدكتور .. وقال : ” تشوفون هالخمسين فلس ؟ “ .. وبحركة خفيفة أخفاها وأخرجها من يده الأخرى !! ثم قال : ” هذا يسمونه خفّة يد .. أما اللي راح ندرسه هالكورس عن علم النفس والدخول في أعماق النفس البشرية .. فهو سحر حقيقي !! ” وبدأ يتكلم عن عجائب وغرائب علم النفس ….

* أثرِ الفضول
هذا افتتاحية استخدمها السيد هويل هيلي في خطاب ألقاه في نادي ” بان ” الرياضي في فيلاديلفيا .. فهل يستحوذ على اهتمامك ؟ يقول :
” منذ 28 عاماً , وفي حوالي هذا الوقت من السنة , نشر في لندن مجلد صغير , أو قصة خالدة , وقد دعاها الكثيرون أعظم كتاب صغير في العالم . وحال ظهور الكتاب , كان الأصدقاء حين يلتقون ببعضهم يسألون هذا السؤال : هل قرأته ؟ فيكون الجواب موحداً : أجل , بارك الله فيك , قرأته !! .
بيعت لحد الآن عشرون مليون نسخة ومنذ ذلك الحين تلاحقت الطبعات وترجم إلى جميع لغات العالم . قد باع الأديب مورفان قبل سنوات قليلة النسخة الأصلية من الكتاب بسعر 30 ألف باوند استرليني , والنسخة الآن موجود في معرض الفن العظيم في نيويورك ..
هل عرفتم اسم الكتاب ؟ إنه كتاب ” أنشودة الميلاد” للكاتب تشارز ديكنز “

ما رأيك بمقدمة كهذه ؟ أعتقد أنها ناجحة ناجحة بنسبة 99% .. إسمع إذاً لهذه المقدمة من طالب بكلية الحقوق في أمريكا يقول :
” نهض أحد أعضاء مجلس الشيوخ مؤخراً في قاعة الاجتماعات واقترح إصدار قرار يمنع الشرغوف ( فرخ الضفدع ) من أن يصبح ضفدعاً على بعد ميلين من أية مدرسة !! “

أنت تبسمت , فهل يمزح الخطيب ؟ كم هذا سخيف , وهل تم ذلك القرار فعلاً ؟؟ ……… نعم !!
حاول أن تثير فضول جمهورك منذ أول جملة , تحوز على انتباههم واهتمامهم .

* لا تبدأ باعتذار .
إن الخطأ الفادح الذي يقترفه المبتدئ في المقدمة هو الاعتذار , مثل ” اسمحوا لي فأنا لم أحضر جيداً .. “ أو ” انا لست أهلاً للكلام لكن سأقول الذي لدي … “ أو ” اعذروني فلا أدري ماذا أقول … “ .. لا تفعل ذلك أبداً , أنت هكذا تهين الجمهور وتهين نفسك بأنك لا تستحق أصلاً أن تُسمع .. مع ذلك ستتكلم غضباً من جمهورك !!

إبدأ بداية طريفة :
أحب كثيراً الاستماع لخطب الشيخ الراحل عبدالحميد كشك .. وكان رحمه الله خطيباً فطحلاً . فإذا ما تكلم عن أحوال الأمة الإسلامية ومصائب المسلمين تسمع كلاماً صاروخياً رهيباً , تشعر بهيبة قائله . أما إذا ما تطرق إلى انتقاد المستوى الدنيء للفن في مصر فلا تملك دموعك من الضحك من الأوصاف الطريفة التي يصف بها الممثلين والممثلات , كذلك الحال عندما يتكلم عن المخابرات المصرية .. فسمعت له خطبة جمعة ابتدأ فيها بالثناء والحمد والصلاة على النبي ثم قال باللهجة المصرية : “نرجو من اخواننا المباحث في الصف الاول يوسعوا المكان شوية عاشان اخواننا المصلين اللي مش لاقين مكان يقعدوا ” ( يضحك المصلين ) ..

* الافتتاح بالحمد والصلاة :
لا أنكر أني استحضرت هذه المهارات من كتب أجنبية .. وبطبيعة الحال نحن نختلف كثيراً في المعتقدات .. لذا آثرت أن لا أكون مقلداً صِرفاً .. وأن أضع الصبغة الإسلامية في الموضوع وابراز هويتنا .. لذلك من الحسن أن نفتتح كلامنا بحمد الله والصلاة على نبيه ولو لم يكن موضوع الحديث له علاقة بالدين, وأقلها أن يقول المتكلم :” الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد “ ثم يبدأ بعد ذلك باستخدام وسائل المقدمة التي ذكرناها ..وذلك حتى لا يخلو الحديث من ذكر الله ..

نكمل في لامقال القادم عن كيف تختم الخطبة .. ترقبونا