يقسّم القرآن المجتمع المسلم من حيث الإيمان إلى ثلاث مكونات: مسلمون، غير مسلمين، منافقون. المسلمون هم الملتزمون بالحد الأدنى من الإيمان، يذنبون ولكنهم يقرون أوامر الله ونهيه ويرغبون بتطبيق شرع الله. غير المسلمين هم الكفار المسالمين من أي ملة كانت. المنافقون هم إما كافرون أخفوا كفرهم وأظهروا إسلامهم، أو مسلمون أصلاً ثم ارتدوا ردّة مُبطنة وخالف هواهم المصالح العامة للمسلمين، وهم في كلا الحالتين كفار.
هذا التقسيم هو ذات التقسيم في المدينة في الصدر الأول من الإسلام، مسلمون من مهاجرين وأنصار، غير مسلمين من قبائل يهود الثلاث، والمنافقون من حزب عبدالله بن أبي بن سلول.
لم يكن المنافقون مجموعة حصرية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانتهت بفضحهم، إنما هي مكوّن مستمر ودائم من مكونات المجتمع المسلم في كل زمان ومكان -كحال المكوّنَين الآخرِين- إلى يومنا هذا، وإلا ما كان الله لينزل سورة كاملة باسم “المنافقون” ولا ليفتتح سورة البقرة بالتحذير منهم، ولا لينزل الآيات الطوال في سورة التوبة والأحزاب في توصيفهم.
 
والقرآن حين فصّل كثيراً من صفات المؤمنين, وصفات الكافرين, فإنه فصّل صفات وعادات المنافقين المتكررة في ١٦ صفة رئيسية:
١. ادّعاء الايمان: هم أذكي من التصريح بالكفر، ويستفيدون من كونهم محسوبين في معسكر المؤمنين لهدم الأمة من الداخل “ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين” “وإذا لقوا الذين آمنو قالوا آمنا” ظاهرهم الايمان، ولديهم مساجد، ويصلون، وينفقون، لكن “ما هم بؤمنين” ومساجدهم “ضرار” وصلاتهم “يراؤون الناس” بها ونفقاتهم “مغرم”
٢. تسفيه المؤمنين: يسفهون جهود وأفكار المؤمنين، والمؤمنون يصيبون ويخطئون ويناصحون بعضهم، وينقدون بعضهم، أما التسفيه الدائم هو صفة المنافقين “وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء”
٣. الكذب: ومع الحلف أيضاً “وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ، يهلكون أنفسهم والله يشهد انهم لكاذبون”
٤. بغض المؤمنين: إلى الحد الذي يظهر هذا البغض جلياً “قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر” ثم يقول الله سبحانه منبهاً المؤمنين أنها إحدى الآيات والعلامات الواضحة للمنافقين ” قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون، ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله، وإذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ” توصيف دقيق. وإشارة أخرى لهذه الصفة في سورة محمد “أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم”
٥. تحريض الكافرين ونُصرتهم ضد المؤمنين: “ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لإن أُخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً، ولإن قوتلتم لننصرنّكم”
٦. الأذى: بكافة أشكاله من طعن بالأعراض والاتهامات العشوائية “ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أُذُن” “والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات فقد احتملوا بُهتاناً وإثماً مبيناً”

٧. التآمر على المسلمين: هم يخططون سراً ويدبرون التدابير ضد المؤمنين “هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا” نزلت في المنافقين الذين يقولون للأنصار لا تنفقوا على المهاجرين لكي ينفضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٨.اللمز: وهو ما دون الاتهام الصريح الذي يُمكن مقاضاة مدّعيه، وهي صفة جبانة ومتكررة “ومنهم من يلمزك في الصدقات” “يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل”  وشواهد اللمز كثيرة في السيرة.

٩. سعيهم للفتنة: وسقوطهم في الفتنة، والأعجب.. اتهامهم للمؤمنين بإشعال الفتنة! “لقد ابتغوا الفتنة من قبل…” وفي الآية التي تليها “ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنّي!” وهو اتهام مبطن للنبي صلى الله عليه وسلم بأن دعوته للجهاد هي دعوة للفتنة، والحقيقة هي”ألا في الفتنة سقطوا”

١٠. تكذيب موعود الله: “إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً” وعدنا والله ورسوله بالنصر وبشرنا رسول الله بنصرنا على يهود وفتح القسطنطينية وروما، أذكر مرة أحد المشايخ استشهد بحديث الإمام أحمد الذي صححه الألباني عن فتح رومية “روما”، فخرجت إحدى الصحف بعنوان ساخر “الداعية الفلاني يبشر المسلمين بفتح روما”

١١. بذاءة اللسان والعنف اللفظي تجاه المؤمنين: “فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنةٍ حِداد”

١٢. رفض تحكيم الشريعة: بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر في تحكيم الشريعة، المنافقون يرفضونها من الأساس “ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت”

١٣. الصد عن ذكر الله: يكرهون مجالس الذكر، إذا دُعوا إلى خير يتصددون، ويتكبرون على الطاعة “وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون”

١٤. خذلان المسلمين: في أحلك الظروف، وحين يحتاج المسلمون الدعم والنصرة، يتخاذل المنافقون، بل ويدعون الآخرين لخذلانهم! ” وإذا قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مُقام لكم فارجعوا” نزلت في المنافقين الذين خرجوا مع الصحابة لغزوة أُحُد، ثم تخاذلوا في منتصف الطريق ورجعوا، ودعوا باقي الجيش للرجوع، فانسحب ثُلث الجيش.

١٥. لوم المؤمنين: إلقاء اللائمة على المؤمنين في كل مصيبة وتحميلهم مسؤوليتها “يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا” “الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا” وهنا تشير الآية إلى تحميل المنافقين مسؤولية الشهداء على المؤمنين المجاهدين! والعجيب أنهم لم يلوموا من قَتلهم وأخرجهم من ديارهم في الأصل، والأعجب أنهم لم يلوموا أنفسهم حين خذلوهم قبل بدأ المعركة!

١٦. الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف: كل باب للفسق والمنكر يدعون له، ويقفون عقبة أمام كل باب خير، ويتعاونون مع بعضهم على ذلك “المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف” ومن ذلك حبهم لإشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم “الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا”، ونهيهم عن التبرعات للمحتاجين والعمل الخيري ” هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله”
 
هذه جملة من صفات المنافقين في القرآن، والسنة أشارت إلى المزيد. لم تكن إشارة القرآن إليها للدلالة التاريخية، إنما لدلالتها الواقعية المتجددة، وما كان الله ليخصص في كتابه الخالد كمّاً كبيراً من الآيات عن صفات المنافقين للتاريخ فقط، ولو كان كذلك فلن يستفيد المؤمنون من قراءتها عبر العصور.
 
وقد يتأثر المؤمنون بكلام المنافقين، كما تأثر بعض الصحابة الذين عاتبهم الله بقوله ” وفيكم سمّاعون لهم” ونهاهم عن الاستماع إليهم في آيات كثيرة.
وحتى لا نتهم كل من نخالفه بالنفاق يجب أن نوضح الخط الفاصل بين الإسلام والنفاق، فربما اختلف المسلمون مثلاً حول قضايا كمفهوم الدولة في الإسلام وشكل تطبيق الشريعة وشكل المجتمع المنشود، ومنهم من يكون لديه تصوراً مختلفاً لكنه في النهاية يعتقد أنه ينطلق من أصول الشرع، مثل كثير ممن نصفهم بالليبراليين أو العلمانيين الذين لديهم تصورات نابعة من مرجعية شرعية “كما يعتقدون”، كغازي القصيبي أو محمد عابد الجابري وغيرهم، وهنا نوافق أو نخالف تصورهم لكن لا نتهمهم بالنفاق إطلاقاً، إنما المنافقون هم من يقرّون صراحة رفضهم لمرجعية الإسلام من حيث المبدأ كـ “بعض” من تبنى الفكر الشيوعي أو العلمانية الصلبة أو المادية ومن يعلن صراحة ولاءه لأمة معادية ويريد هدم البيت الداخلي المسلم.
وقد يتسائل أحدنا: لماذا لم يشر القرآن إلى أسماء المنافقين مباشرة لكي يريح المؤمنين ويعرّفهم عليهم؟
يقول الله سبحانه: “ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول” إن الإشارة لأسماءهم لن يحل المشكلة، لأنهم فئة متجددة ومستمرة عبر التاريخ ما بقي القرآن يُتلى، ولكن “سيماهم” الواضحة وفلتات ألسنتهم كفيلة بالتعرف عليهم.
لذلك، فالهدف من إيراد هذه الصفات هو التعرف عليهم. ونحتاج للتعرف عليهم من أجل الانتباه للعدو الداخلي ومواجهته، فالنفاق ليس ذنباً بين العبد وربه ينبغي أن يستره المجتمع ويتغاضي عنه، بل هو هجوم من عدو داخلي ينبغي مجاهدته “يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم”…بل إن جهاد المنافقين أشد وطئة من جهاد الكفار.. فالله حين تكلم عن الأعداء من الكفار قال “لن يضروكم إلا أذى” أما حين وصف المنافقين قال “هم العدو فاحذرهم”.
كيف نجاهدهم؟
 موقف الإسلام من غير المسلمين -محاربين أو مسالمين- يبدو أكثر وضوحاً وتأصيلاً، أما التعامل مع المنافقين وفقاً للشرع يبدو أكثر غموضاً.. لعلنا نلخصه في المقال القادم بإذن الله