يحدث عادة -تزامنا مع معرض الكتاب- تبادل أسماء الكتب الجديدة بين الشباب المثقف، وينشر بعضهم حصاد المعرض في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، ويتساءلون عن الكتب الجيدة النافعة. ويظهر أن هناك اهتمام حقيقي لدى قاعدة كبيرة من الشباب باختيار الكتب المميزة الجديدة. إلا أن أبناء هذه الحركة الثقافية متفاوتون في الأعمار والمستويات والتخصصات، الأمر الذي يجعل القارئ لاسيما المبتدئ مشوشاً أمام هذه الكتب المُرشحة من كبار المثقفين. هنا يحدث القفز على الكتب وتخطي المراحل المعرفية، توقاً للوصول سريعاً إلى مصاف المثقفين المتقدمين، أو رياءً ثقافياً في اقتناء الكتب المتقدمة، أو خجلاً من أن يرجع الناس من المعرض بالشاء والبعير، ويكون صيدنا الكتب ذات العناوين غير الرنانة والتي هي قد تكون مهمة لتكوين القارئ في بداية المشوار. 
 
أفهم هذا الولع بالكتب الذي يصيب القارئ بعد أن تسحبه إلى عوالم الفكر والعلوم والفنون ويعبر نقطة اللا عودة إلى مراتب الجهل، فلا يستطيع الرجوع إلى مرحلة خلو البال وراحته من صخب الأسئلة، ولا يمكنه الاستقالة من مهمة البحث عن طرب الأجوبة، ليبقى الخيار المتاح الوحيد لديه الاستمرار بالهرولة في هذا الطريق، راوياً ظمئه من عطش سؤال، ليرتفع له بعدها سؤال أكثر عطشاً. جيد.. نعم الإدمان هذا إذاً، فقد قيل في الحديث الضعيف الذي رواه الطبراني: “منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال”.إلا أن هذا النهم يجب أن يأكل وجباته المعرفية وفق سعة معدته، وقدرة جهازه الهضمي، وحدّة أنيابه. 
 
أذكر أني كنت ألحق الدكتور محمد العوضي في معارض الكتب من مكتبة لأخرى وأشتري ما يشتريه من كتب لم أقرأ منها شيئاً إلى اليوم! واليوم أصادف في معرض الكتاب من الأصدقاء من يحمل كتاب تجديد علم الكلام لطه عبدالرحمن، فسألته عن تعريف علم الكلام فلم يجب، فهو لا يعرف شيئاً عن علم الكلام ويقرأ في تجديد علم الكلام! وآخر اشترى كتاب “علاقة علم أصول الفقه بعلم المنطق” لوائل الحارثي، وتجاوزاً عن ضرورة دراسة هذين العلمين عند الأساتذة المختصين، صديقي لم يكن يعرف شيئاً عن الأصول، مباحثه، أعلامه، كتبه المؤسِسة، ولا يفرق في المنطق بين التصورات والتصديقات، أو بين النوع والجنس، وبين الكلي والكل، ثم يريد معرفة علاقة  المنطق بالأصول؟ أخ حبيب آخر وجدته يقرأ في الكاشف الصغير لسعيد فودة وهو كتاب يبحث في تراث ابن تيمية العقائدي، ولا يمكن استيعابه مالم يُطالع في كتب تيمية أولاً. مع العلم أن هذه كتب المذكورة ممتازة في مجالاتها. إن أي كتاب يبدأ بـ نقد كذا وكذا ,نظرات حول كذا وكذا, أو تحليل، تجديد، تفكيك, الرد على كذا وكذا، يجب أن يُهضم قبلها هذا الكذا وكذا.
كنت قد قرأت كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت قبل سنوات, وهو كتاب زاخم بمصطحات الفكر والتراث والفن الغربي, وأقلقني عجزي إزاء التفاوت الشاسع بيني وبين الكتاب في الحين الذي كنت أجد أقراني يتحدثون عنه ويستشهدون منه ويمدحونه. هل استوعبوا الكتاب فعلاً؟ ما مشكلتي إذاً؟ لم أكن حريصاً على امتحان أصدقائي بمضمونه ولم يهمني إن كانوا استفادوا منه جيداً أم لا, بل كان همي حينها أن أقرأ ما يناسبني لعلي أن أفهم كتاب علي عزت يوماً ما. وقد قرأته ثانية هذا العام, وعزمت أن أقرأه مرة ثالثة بعد سنوات قرائية.
 
 
أقول هذا لا إحباطاً للشباب إنما استثماراً لحماستهم في القراءة حتى يمتصوا الحد الأقصى من ثروات الكتاب. إنه شعور مغري حين تقرأ كتاباً تعلم أن مهنا المهنا يقرأه معك في نفس الوقت, ولكن استفادة قارئَين من كتاب واحد متفاوتة حسب خلفيتهم المعرفية وتفاعلهم مع الكتاب.
 
 
 


Talal Alkhedher
طلال الخضر

 
@talkhedher