لو شاهدنا مسرحية فيها من ما فيها عادةً من صراع الحق مع الباطل، والمواجهة الكلاسيكية بين الخير والشر، وتدافع الظالم بالمظلوم، سنتعاطف كلنا مع المظلوم، متحمسين لأن تنتهي المسرحية بانتصار الحق على الباطل. ولا عجب حين تسيل دموعنا في مشاهد القهر التي تعلو بها سطوة الباطل، وينخذل فيها الحق وأهله. العجب حين تلتفت حولك فتجد  بين الجمهور ظالماً يبكي بجانبك تعاطفاً مع المظلوم، ومتكبراً يتحسر على مشاهد المستضعفين، وفاسد يشمئز من مشاهد الضلال والانحراف في المسرحية!
 
إنها الفطرة السليمة التي تميل إلى الحق فطرةً وأصلاً، ولا تميل عنه إلا بسبب صارف. ناقش القرآن هذه الأسباب في مواضع كثيرة في معرض حديثه عن الأمم التي رفضت الحق، لأنها أسباب بشرية، يقع فيها المسلمون أيضاً.
 
الحق الذي تناوله القرآن هو الحقيقة الكبرى المتمثلة بالتوحيد والإيمان، إلا أن الحق يشمل جميع ما دون ذلك من أفكار ومواقف وقناعات. فالخطاب القرآني الذي يواجه جحود المشركين لرفض الحق, يواجه المسلم الذي يجحد بعض الحقائق أيضاً. بل إن القرآن خطاب للمسلمين بشكل أساسي، وما يذكره من حيل المشركين للتهرب من الحق والصد عنه ومحاربته هو تحذير مبطن موجه للمسلمين لا للكافرين. هنا نتسائل: ما الأسباب التي تجعل الناس ترفض الحق؟
 
يرفض الناس الحق ربما لأن رافع لواء الحق ليس من جماعتهم “وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم” فلو نزل على الوليد بن المغيرة المخزومي مثلاً قَبِلنا، أو نزل على حبيب الثقفي قَبِلنا، أما محمد من بني هاشم من مُضر فلا، فـ”كذاب ربيعة خير من صادق مُضَر”
 
ويرفض بعض الناس الحق لأن أهل الحق ربما كانوا فقراء من الطبقة المتدنية اجتماعياً، المُهمشة سياسياً، وهم لا يريدون أن يكونوا مع هؤلاء في زمرة واحدة حفاظاً على هيبتهم. فسادة قريش، أبو جهل وأبولهب وأبوسفيان، رفضوا الفكرة التي تساوى بينهم وبين العبيد والموالي. لا يريدون إسلاماً فيه بلال الحبشي وصهيب الرومي. وهو ذات السبب الذي اتخذه قوم نوح من قبل حين قالوا: “أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟!” وقالوا: “وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادِيَ الرأي”
 
يرفضونه أيضاً لأنهم يكرهون أناساً سبقوهم إلى الحق، فإن اتبعوا الحق بعدهم سيكونون مسبوقين، وسيبدون مقلدين، وهم بالطبع لا يقلدون أحداً ولو كان على حق: “وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه” نزلت في مشركي قريش وقيل في يهود المدينة حين قالوا: لو كان هذا الإسلام خير ما سبقنا إليه فلان وفلان.
 
يرفضون الحق خوفاً على أمنهم ومصالحهم الاقتصادية. فقريش قالوا نحن سادة العرب وقبلتهم الدينية وحاضنة أصنامهم ومركز اقتصادهم، ولو أسلمنا فقدنا مكانتنا عند العرب الوثنيين “وقالوا إن نتبع الهدى معك نُتخطف من أرضنا، أولم نمكن لهم حرماً آمنا يُجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟”
 
ويرفضون الحق لأنه جديد عليهم، ولم يعتادوا عليه، ولم يعهدوه من آبائهم، فإذا واجهتهم بالحق الذي لا غبار عليه قالوا “ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين”.
 
يرفضونه كبراً، يعلمون أنه الحق ولكنه مجرد الكبر والاستعلاء “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعُلواً”، “فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون”
 
يرفضونه حقداً على معسكر أهل الحق، كما رفضه يهود المدينة, فقد وقف حيي ابن أخطب سيد يهود المدينة ينتظر قدوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، فلما وصل قيل له: أهو هو؟ (أي أهو النبي الموعود الذي جاء ذكره في التوراة؟) قال: نعم، قيل فما تعتزم؟ قال: معاداته أبد الدهر “فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به”
 
يرفضونه كرهاً بالحق نفسه، فالحق مر أحياناً، “لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون”
وكره الحق من مظاهر الهوى الذي لا يستند لدليل وقناعة، وإنما انحراف قلبي، وضعف الإرادة، ومزاج غير مبرر. قال الله مخاطباً داود:يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ” وهنا يتقابل الحق مع الهوى، لا الحق مع الباطل، في إشارة إلى أن الإنسان لا يضل دائماً بشبهة عقلية، لكن يضل بالهوى بالدرجة الأولى، ثم يزين لنفسه شبهة عقلية يغلف بها موقفه.
 
منهم من يرفض الحق مدعياً أنه لا يجد الأدلة كافية عليه ويطالب ببراهين وآيات مستحيلة، “قالوا يا هود ما جئتنا ببينة!” مع أن الأدلة الموجوةد كافية وواضحة “وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار  خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه!”
 
يرفضون الحق لأنهم يعبدون القوة، ويتبعون القوي لا صاحب الحق، خصوصاً حين يكون الحق ضعيفاً، فهذه مدين قالت: “يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً” وقوم فرعون اتبعوا فرعون القوي طمعاً في قوته وخوفاً من بطشه ” ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، فاتبعوا أمر فرعون”
 
هذه جملة أسباب، أليست نفسها التي يرفض فيها كثير من الناس الحقَ اليوم؟ أم أنها خاصة بكفار قريش فقط؟