التنوير الأوروبي كان حراكا منطقياً جداً. تهيأت له كل الأسباب والظروف لانطلاقه. كان الدين بائساً فعلا. حينها كان يمكن 

القول أن رجال الدين عموما يمثلون الدين تمثيلا حقيقيا صادقا، ويعبرون عنه تعبير المقتنع به، دون ضغط أو تشويه. لم يكن حينها بمقدرة أطراف خارجية التحكم بالخطاب الديني، وإغراق الساحة بخطابات متطرفة منفرة بغرض تشويه الدين. لم يكن بمقدرة الدولة إبراز تيار ديني محدد وتعيين رجاله في مناصب رسمية، وإقصاء تيار آخر، فقد كانت الكنيسة ذات سيادة ووقف مالي خاص وتقف كتفا بكتف بجانب الدولة، إن لم تكن أعلى من الدولة، حيث يستمد الملوك شرعيتهم من الكنيسة.

في ظل ظروف كهذه، ظروف إستقلالية رجل الدين، فإنه يمكن القول بأن الدين يتحمل مسؤولية مباشرة لخطاب رجاله. كان عموم الخطاب الديني بائساً ورجعيا، معاكساً لفطرة الحياة ومعادياً للعلم، ويعبر عنه عموم رجال الدين طوعاً دون ضغط أو توجيه، ودون أي مؤامرات لإخراجه بهذه الصورة المنفرة. وبالرغم من وجود رجال دين “معتدلين” ومتصالحين مع العلم والحياة، إلا أنهم كانوا تيارا ضعيفاً ويفتقد للشرعية الدينية.

هنا كانت حركة التنوير مستحقة. وحركة التنوير لم تكن تسعى لإصلاح الفهم الديني، إنما إصلاح الدين نفسه، أو إبعاده من المجال الدنيوي. بمعنى، لم تدّعي حركة التنوير أن رجال الدين أساؤوا فهم الدين، ولم تدعي أن لها فهماً جديداً صحيحاً للدين مؤصلاً بأصول الدين وقواعده. فقد كان واضحاً لدى حركة التنوير أن المشكلة في طبيعة الدين المسيحي نفسه.

بعد ثلاث قرون من عصر التنوير الأوروبي، تظهر حركة تنوير عربية في ظروف مغايرة تماماً. الإسلام ليس المسيحية، وظروف علماء المسلمين اليوم ليست كالتي لدى رجال الدين المسيحيون في القرن الوسطى. ليست لعلماء المسلمين اليوم مؤسسة مستقلة ذات سيادة، فهم يعانون من تحكم الدولة المستبدة بخطابهم الديني، كما يعانون من الضغط والتشويه الخارجي، وأكثرهم معاناة هم المعتدلون الذين يقدمون طرحاً تقدميا حقوقيا متصالحا مع الحياة والذين يقصون عادة من المنابر الرسمية والإعلامية الكبيرة، ليصل الإقصاء بحقهم إلى سجنهم.

كان لابد من إبراز خطابات دينية متطرفة من جهة، ورجعية من جهة أخرى، وإخفاء تيار الخطاب المعتدل، حتى يضبط الإخراج التنويري كما كان في عصر التنوير، حتى لو اضطُر إلى التلاعب بالظروف، وتزييف السياق، وإقصاء التيار الديني المعتدل الذي ينتفي معه الحاجة إلى تنوير، ليبدو الواقع العربي مشهداً أوروبيا مألوفاً.

نشاهد اليوم مشاهد مُخرجة إخراجاً احترافياً تصور انتصار التيار التنويري على مؤسسات دينية رسمية بائسة طالما وقفت ضد التقدم والانفتاح والعلم والحريّة، التي تضعها الدولة اليوم في موقف محرج ومظهر مضحك. ومن المفارقات الكبيرة، أن حركة التنوير “الأصلية” كانت ضد استبداد الكنيسة الديني ، بينما التنوير العربي متحالف مع الاستبداد الدولة السياسي، ضد مؤسسة دينية متهالكة تابعة للدولة، يحلو للتنويري العربي على تحقيق انتصارات سهلة عليها على أساس أنها الإسلام.

سنرى في الأيام القريبة قرارات سياسية “انفتاحية” كانت تطالب به التيارات الإسلامية قبل التنويرية، بينما تقف ضدها المؤسسات الدينية الرسمية. سيّغيب الإسلاميون عن المشهد، وسيحتفل التنويريون بالفتوحات التنويرية، ويظهر الدين متقهقرا متراجعا ومتأخراً، وأن المجتمع يحقق تقدمه بانتصاره على الدين.