تعريف بكتاب: مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة- مساهمة في تأصيل الحداثة السياسية.

للمؤلف امحمد جبرون

يقع الكتاب ضمن الدراسات حول مفهوم الدولة في الإسلام التي تنتهي بالمصالحة مع بنية الدولة الحديثة، والقبول بالدولة الممكنة، ودولة الوقت، والمتاحة تاريخيا. مع الأخذ بالاعتبار أنها أطروحة جديدة (٢٠١٦) أي ما بعد أطروحات “الدولة المستحيلة” المتخاصمة مع الحداثة “السياسية”.

الكتاب فيه أكثر من فكرة مركزية، وأبرزها اعتبار الإرث السياسي الإسلامي، ابتداءاً من دولة المدينة في العهد النبوي، مرورا بالخلافة الراشدة وما يليها، كله تجربة تاريخية واجتهاد بشري لتحقيق ثلاث مبادئ إسلامية: “البيعة، العدل، المعروف” التي اعتبرها المؤلف الشروط الدينية الوحيدة لإسلامية الدولة. وفكرة تاريخانية التجربة السياسية النبوية والراشدية ليست بجديدة، فقد كانت الأدوات التفسيرية للنص الشرعي كالتخصيص والنسخ والمقاصد محاولات اجتهادية من المتقدمين لتحرير النص الديني من بعده التاريخي والجغرافي، حيث أن فك الارتباط بين النص الديني والتاريخ أدعى لاستمرار رساليته. والمؤلف استمرارا لهذه الاجتهادات يتبنى نموذجاً تفسيريا حديثا يستلهمه من نظرات الجابري وحاج حمد ويشرحه في مستهل الكتاب.

في البيعة يقصد المؤلف الشرعية السياسية، وفي العدل يشير إلى العدالة الاجتماعية المستمدة من أخلاق الشريعة، والعدالة في توزيع الثروة ، أما المعروف فهو اسم جامع لكل مصالح المجتمع المادية والروحية.

يرى المؤلف أن هذه الركائز الثلاث التي تتحقق بها إسلامية الدولة قد تواجدت -بتطبيقات مختلفة- في كل عصور الدولة الإسلامية الممتدة من دولة النبي ﷺ وحتى الخلافة العثمانية. وقد حاول المؤلف استعراض تطبيقات البيعة، العدل، والمعروف في ثلاث مراحل أساسية للدولة الإسلامية، وهي دولة النبي، دولة الأمة (الراشدين) ودولة العصبية (من الأموية وحتى العثمانية).

ولعل أكثر ما قد يثير الجدل، دفاعه عن شرعية بيعة معاوية وابنه يزيد. فبعد أن استعرض أشكال البيعة المختلفة للخلفاء الراشدين (الترشيح، العهد، الانتخاب) والمجمع على شرعيتها لما توافر فيها من شرطي الشورى ورضا الأمة، فإنه يرى أن الأمة بعد حادثة الفتنة قد دخلت في طور سياسي واجتماعي مختلف تطلّب إعادة انتاج مفهوم الدولة الإسلامية، وإعادة فهم مبدأ البيعة، والذي كان لابد من تقليصه إلى الحد الأدنى. لم تكن البيعة في عهد الراشدين تؤخذ من كل أمصار المسلمين، إنما كانت حصرا في أهل المدينة التي كانت بيعتهم ملزمة لعامة المسلمين في شتى الأقطار، وذلك لتعذر طرق استشارة كل المسلمين، ولما كانت عليه المدينة وسكانها من الرمزية الدينية المقدسة لدى عموم المسلمين، والذين كانوا حينها يذعنون للسلطة الأخلاقية لمبادئ الشورى والرضا. لكن حين فقدت المدينة رمزيتها وخلت من كبار الصحابة في سنوات الفتنة، وتنازعت الأمصار المسلمة حول الخلافة، فقدت السلطة الأخلاقية فاعليتها، وكان تحقق الشورى والرضا مستحيلا، فكان لابد من سلطة قهرية تجمع أمر المسلمين، وكان لابد من تقليص البيعة من دائرة المدينة إلى دائرة الحزب أو العصبية. وقد فطن لهذة الضرورة كل من حزب معاوية الذي تعصّب بالشام، وحزب علي الذي تعصب بالكوفة، وحزب طلحة والزبير وعائشة الذين اتجهوا للبصرة. وعلى ذلك فإن تحول نطاق البيعة من الأمة إلى العصبة كان أمراً حتمياً وضرورة تاريخية مهما كانت نتائج الصراع بين الصحابة.

هذه الولادة الجديدة للدولة الإسلامية المسايرة للتاريخ كانت سبباً في بقاء وحدة المسلمين واستمرار سيادة الأمة وازدهارها، ولو تمسك الصحابة بمفهوم البيعة كما كان في دولة الراشدين لما بقيت. حسب المؤلف، لم تكن دولة العصبية دولة فرد، ولم تكن بيعة العصبة خالية من الشورى، فقد كانت العصبة مكونة من رجال السلالة الحاكمة وحلفاءهم من الأعيان ورؤساء الجند الذين كانوا يشاورون في ترشح الخليفة قبل مبايعته.

وكما تغير مفهوم البيعة في دولة العصبية، فقد تغير مفهوم العدل. فقد ظهرت المؤسسات القضائية ودواوين المظالم، ودونت الشريعة التي كانت ممارسة خطابية بحتة وتحولت من الشريعة-الدين، إلى الشريعة- القانون.

ولم تكن العصبية في نظر المؤلف أقل إسلامية من دولة الأمة، ولم تكن دولة الراشدين أكمل نموذجاً من الدول الإسلامية بعدها، بل لم تكن حتى نموذجا، إنما كانت مرحلة بحث عن نموذج حسب وصف المؤلف. وقد كانتا الدولتان تطبيقين تاريخيين مختلفين للمبادئ السياسية الإسلامية. وعلى هذا فإن عصر الحداثة يتطلب ابتكار معادلة تاريخية جديدة، متواضعة أمام معطيات الواقع وظروفه، محافظة بقدر المستطاع على منسوبات البيعة والعدل والمعروف.

يناقش في الفصل الأخير اجتهادات الإصلاحيين/الإسلاميين منذ القرن الثامن عشر وعلى أعتاب العصر الحداثة في ابتكار معادلة جديدة للدولة الإسلامية، والتي بدأت محاولاتهم في “تحديث” الدولة قَبل فترة الاستعمار، وقبل ضغوط التغريب، مستدلاً بهذه المحاولات على أن الأمة الإسلامية كانت متجهة إلى طور نموذج “الدولة الحديثة” دون أي حرج ولا أزمة، وليس مآلها إلا إليها.

طلال الخضر