سأُخبِرُ الله

1 comment »

52744

 

 

سأخبر الله.. ثمّ انسابت المقلُ

معْها بريدٌَ إلى جوف السما يصلُ

 

كأنما وهي تُعْمِي الأفقَ نظرتُه

يُحدّق الدهر في عينيك لا المقلُ

 

سأخبر الله.. والأخبار في لغة الطـ

ـطفولة اليوم قد شاخت بها الجُمل

***

 

سأخبر الله عن صحبي الألى طُردوا

من البراءة.. من روضاتها فُصلوا

 

عن أهل حارتنا.. كانت مساكنهم

فأصبحوا طللاً  يبكيهمُ الطللُ

 

من فوقهم ظُللٌ من نار قاصِفِهم

ونارُ بردِ الشِتا من تحتهم ظُللٌ

***

 

سأخبر الله عن قوم إذا ارتفعتْ

راياتُ حيّ على إسلامكم ثَقِلوا

 

عن قول قائلهم حين انتخيتُ بهم

“اذهب وربك للباغين فاقتتلوا”

 

وقال فينا وقد لذنا بغيرهمُ

ما لم يقل مالكٌ في الخمرِ والأُوَلُ

 

وإن هَزَزْنا جذوعاً في ضمائرهم

تَقَوّسَ الظهر حتى اسّاقط البصلُ!

 ***

 

يوماً سأخبره عن أمةٍ جُبلت

على السماء وقومٍ في الثرى جُبلوا

 

وأننا حين نُسقى العزّ نلفظه

وإن مُنحنا فُتات الخُبز نحتفل

 

وكلّما علّمَ الجلّاد في فَمِنا

جرحاً دعونا بأن الجرح يندمل

 

فكيف تُطرب بعد الهُون أغنيةٌ؟

أم كيف يَعذُب بعد الذلة الغزلُ؟

 

نَرثي عليّا صلاحاً والزبير وقد

طال الرثاء على أطلال من رحلوا

 

رجالنا بين أرحامٍ ومقبرةٍ

كأنما ليس في أحياءنا رجلٌ

سأسأل الله هل نصرٌ هناك؟ فقد

أضحى يُشَكِّكُ في إيماننا هُبَلُ

.

فليس أكثر من آجالنا ألماً

إلا الذي من بلاهُ يُطلَبُ الأجَلُ

 ***

وعن بلادي التي من فرط ما انقصفت

على العباد تساوى السهل والجبلُ

 

تقاسم الفرس والرومان قصعتها

في حانة كان فيها يَعْرُبَ النُدُل!

 

وأمةً أمةً في خِدرها دخلوا

حاديهمُ لِحماها الجار والأهَلُ

 

وُلاتُنا لُطِّختْ أثوابهم بدمٍ

لو مسَّ فرعونَ بعضُ منه يعتزل

 

لكنّهم وبني أعمامنا معهم

-حاشاك يارب- لا خوفٌ ولا خجلُ

***

يوماً سأخبره عن سيف “حيدرَ” أنْ

في صفّ “مَرْحَبَ” صار اليوم يشتغل!

 

عن راية للحسين الطهرُ ثورَتُه

رفَّت بجيش يزيدًٍ.. باسمها قَتلوا!

 

عن ثورة نَخَلَتْ كل العمائم من

كلّ المذاهب حتى تُنخلَ المِلل

 

إما مع الله أو في صفّ شانئه

فما هنالك يوم الحرب “معتدل”!

***

 

لله شعب على أكتافهم حملوا

نعشَ الشهادة لمّا أشفق الجبل

 

وسيّروا الدم قرباناً لأمّتهم

كما إلى الله زلفى تُنحر الإبل

 

“قيل الطعان فقالوا تلك عادتنا

أو تنزلون فإنا معشرٌ نزل”

 

ما أخرجَ الشام من جالوته أسداً

إلا ليَخرُجَ من طالوته بطلُ

***

 

سأخبر الله.. ثم انسابت المقل

معها بريد إلى كل الورى يصل

 

لكل من ثُكلوا.. من كل مَن قتلوا

لكل من خَذلوا.. من كل من خُذلوا

***

 

أمسكت كفّيهِ لكن روحه سَبَقت

إن الصبيّ إلى ألعابه عَجِلٌ

 

له الجنان تبدّت عبر نافذةٍ

يشفّ منها الربيعُ الطلقُ والنُزل

 

ناديته في قطارٍ من ملائكةٍ

يا أيها الطفل.. أو يا أيها الرجل

 

ماذا هنا في حماها؟ قلت، قال: هنا

شامٌ جديدٌ بأهل الشام مُشتمل 


أرى هنا حلباً أخرى مرممةً

الكرْمُ والتين في بستانها خَضِل

 

هذي دمشق سلامٌ من صبى بَرَدى

لا دمعٌ فيها يُكَفُّ اليوم.. ولا وجل

.

هنا قد التقتا شامٌ وأندلسٌ
وطاب في غيدها التشبيب والغزل

 

أرى أكفّاً وأقداماً مُنَعَّمَةً

يهتفن شوقا: متى أجسادنا تَصِل؟

 

وكلُّ ما طاح من نخل وِمئذنةٍ

ومن رصيفٍ تشظّى قبلكم وصلوا

 

بنى بها الله فردوساً ليسكنها

الأولياء وأهلُ الشام والرسل

  

أرى هنا كلَ ما كنا نؤمله

في الأرض يوماً ولكن عافَهُ الأمل

***

عمّاه أفْلِت يدي.. الأصحاب قد بدأوا

ألعابهم وينادوني ليكتملوا

 

 

طلال الخضر

16 فبراير 2014

 

 

 

 

عن ماذا تتحدث سورة الكهف؟

7 comments »

kahf
لكل سورة من سور القرآن آية محورية، تدور باقي آيات السورة في فَلَكها، وإن بدت السورة أنها متشعبة المواضيع، لكنك وبعد تأمل عميق تجد فيها ترابطاً مدهشاً، حيث تكتشف أن جميع الآيات تصب في خدمة وتعزيز هذه الآية المحورية. هي أشبه ما تكون -مع كامل الفرق- ببيت القصيد، البيت الذي ترتكز عليه القصيدة وتدور باقي الأبيات حول معناه شرحاً وتفصيلاً واستطراداً.
 .
تتكون سورة الكهف من ١١٠ آية، القصص منها ٧١ آية. العنوان العريض للسورة هو الهداية، فهي سورة الهداية، تتكلم في مجملها أن الهداية تكون من الله وحده، فتجد السورة تدعو طالب الهداية أن يطلبها ممن يملكها وهو الله الهادي، ثم أن الهداية الإلهية لا تكون إلا لمن أحسن النظر والفكر، فهي تدعو في أكثر من موضع إلى عدم الاعتقاد بشيء إلا بعلمٍ وتثبت ببرهان ودليل. إذاً فالهداية لها شرطان، حسن النظر والفكر، ثم طلبها من الله الهادي، وسنسوق الايات الدالة على ذلك.
.
تبدأ السورة بالحمد ثم الإنذار لهؤلاء الذين يقولون بلا علم ولا دليل، وأن القول بلا علم ضربٌ من الكذب “وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً* مالهم به من علم ولا لأباءهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً” وفي ذلك إشارة للشرط الأول من الهداية، ثم لا تلبث أن تدخل في أول قصة في السورة وهي قصة أصحاب الكهف، الفتية الذين امتدحهم الله في بداية القصة أنهم طلبوا الرشاد من الله “إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيّء لنا من أمرنا رشداً” ثم يهبهم الله الهداية بعد أن طلبوها منه “إنهم فتية أمنوا بربهم وزدناهم هدى” وهذه إشارة واضحة للشرط الأول من الهداية.
.
ثم يتواصل حديث الفتية عن قومهم الذين اعتقدوا اعتقاداً باطلاً، فاستنكر القرآن عدم إتيانهم بسلطان بيّن ودليل واضح “هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ألهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن؟!” في دلالة أن ذلك خلل في النظر والفكر. 
.
ثم تأتي الأية المحورية في السورة، أو هي جزء من آية، وهي قول الله “من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مُرشداً” وهذه الآية جامعة لشرطي الهداية، فمن يطلب الهداية يهده الله، ويوفقه للتفكر السديد والتأمل العميق والبرهان الصادق، أما من أضله الله، فلن يهتدي ولو كان صاحب حجة وعقل.
.
ثم تستمر الإشارات لمحدودية علم الإنسان، وأن العلم المطلق عند الله العليم، والعلم بلا شك أحد سبل الهداية، ويحذر الله المؤمن أن ينسب العلم لنفسه، أو أن يتكلم بلا علم، ومأنه متيقن من هدايته. فهؤلاء الفتية الذين لبثوا في كهفهم ٣٠٩ سنوات، سأل أحدهم  “كم لبثبتهم؟” فأجاب أحدهم جواباً عشوائياً “لبثنا يوماً أو بعض يوم” فيسنكر القرآن هنا وينبههم “ربكم أعلم بما لبثتم” وينبههم مرة أخرى “ربهم أعلم بعدتهم” ثم ينبههم مرة ثالثة “قل ربي أعلم بعدتهم” بعد أن استنكر القرآن على الذين يقولون كلاماً خبط عشواء، فيقولون تارة “ثلاثة رابعهم كلبهم” وتارة أخرى يقولون “خمسة سادسهم كلبهم”، ثم يقولون سبعة، هكذا جزافاً ورجماً بالغيب. والذي كان ينبغي عليهم أن يتثبتوا ويتأكدوا وإلا فلا يدّعوا. وهذا هو شرط الهداية الأول. ثم يعود الشرط الثاني مباشرة في قوله تعالى “وقل عسى أن يهدينِ ربي لأقرب من هذا رشداً”
.
وتستمر في القراءة فتقرأ “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم” دعوة إلهية لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يصاحب المهتدين الذين يثبتونه على الطريق، بعد أن اشترط سادة قريش منه أن يتخلى عن المسلمين الفقراء كي يدخلوا هم للإسلام! يريدون إسلاماً ارستقراطياً خاصاً لعلية القوم! لا تطعهم يا محمد، فهؤلاء ممن “أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه” ولم يتبع ما يشير إليه عقله من وضوح درب الحق، وكفى بذلك ضلالاً. ثم يعلق الله سبحانه على ذلك بقوله “وقل الحق من ربكم” وهذا التذكير السادس في السورة أن الحق أو العلم أو الهدى من الله.
.
ولما كانت الهداية لا تقتصر على العقل وأفكاره فقط، إنما على القلب وقِيمه أيضاً، تمضي بنا السورة إلى موضوع متفرع من الهداية، وهو الهداية إلى القيم الصحيحة بعد أن كانت تتكلم عن الهداية الفكرية. فتجد سياق السورة يتحول إلى التذكير بقيمة مهمة وهي الزهد في الدنيا والرغبة بالآخرة. فتقرأ في قصة صاحب الجنتين الذي كان مغروراً بماله وولده غارقاً في لذة دنياه معرضاً عن آخرته، وأي ضلال أشد من هذا؟ وكان صاحبه المؤمن يدعوه إلى طريق الهداية بمحاولة تصحيح هذه القيمة الخاطئة. ثم يعلق الله سبحانه على هذه القصة بالتأكيد مرة أخرى على هذه القيمة، بأن هذه الحياة الدنيا وما بها من خضرة ليست سوى ماء اختلط مع نبات فأصبح هشيماً تذروه الرياح! ويستمر التعقيب في الأية التي تليها أن “المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك” فالهداية أن تستقيم أفكارك كما تستقيم قِيمك.
.
وبعد كل هذه الإشارات الواضحة لدرب الهداية الفكرية والقيمية، مازال كثير من الناس لا يهتدون! فتجد القرآن يتساءل “وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى؟” ولا عجب إذا “كان الإنسان أكثر شيء جدلاً”، وليته كان يجادل بالحق بل “يجادل الذين كفرون بالباطل ليدحضوا به الحق” إنه سوء نظر وفكر، إنه الشرط الأول للهداية الذي لم يطبقوه، فكانت النتيجة حتمية أن جعل الله “على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً”
. 
ثم تبدأ قصة موسى عليه السلام مع الخضر، العبد الصالح الذي “علمناه من لدنا علماً” تأكيدٌ ثامن أو عاشر أن العلم من عند الله، والقصة بمواقفها الثلاث كلها تربية إلهية لنبيه موسى الذي ظن لوهلة أنه أعلم أهل الأرض، فأرسله الله إلى من هو أعلم منه، والذي علّمه درساً في التمهل والتثبت بالحكم على الأمور وعدم الاستعجال، وهل هذه إلا إشارة إلى حسن الفكر والنظر؟
 .
ويأتي ختام السورة بآية خطيرة، مازلت محتاراً بها منذ سنين، وهي قول الله “قل هل ننبئُكم بالأخسرين أعمالاً؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً” نحن ومن يخالفنا في الرأي كلانا يظن أنه يحسن صنعاً! وكلانا يظن أنه بذل الأسباب العقلية والمنطقية للوصول إلى الهداية. مع ذلك فإن أحدنا بلا شك قد ضل سعيه! وقد يقول قائل أن المقصود بالضلال هنا وفي السورة عموماً هم الكفار، وأن الهداية يقصد بها التوحيد، وأن الخطاب كله موجه للكفار، في الحين أن المسلمين هم موحدون ومهتدون ولذا فالكلام هنا لا يعنيهم!ولو كان كذلك فما فائدة كل هذه الآيات إذا كان الكفار لا يقرأون القرآن أصلاً؟ إن كل ما جاء في ذم الكفار وأطباعهم وسوء أخلاقهم وانحراف تفكيرهم هو خطاب لأمة القرآن بالدرجة الأولى، يحذرهم فيه من الوقوع ببعض صفات الكفار، وقد لا يضل المسلم إلى حد الكفر ولكن قد يضل داخل دائرة الإسلام فيقع في البدع وسوء فهم الدين والدنيا.
 .
هذه الآية الأخيرة، هي ملخص السورة، أو هي النتيجة الختامية لها، أي احذر أيها الإنسان، فربما كنت تظن أنك تحسن صنيعاً، وأنت في ضلال مبين، حتى ولو كنت مؤمناً.. أو تظن أنك على ذلك! فالحل إذا أن تراجع معتقداتك وأفكارك باستمرار، وتجتهد فيما آتاك الله من عقل بحسن النظر والفكر والتمحيص، والحق ليس بمعجز، فالله “لم يمتحنّا بما تعيا العقول به” كما قال البوصيري، ثم تطلب الهداية من الهادي سبحانه.
تلك كانت خلاصة تأملات طويلة لسورة الكهف العظيمة، إذا وعيت ذلك فستكون قراءتك ابتداء من اليوم قراءة مختلفة. هذا والله أعلم وآسأله الهداية لي ولك.

 

العقيدة بين الإيمان والدراية

6 comments »


لم تكن مشكلة العقيدة يوماً في مسألة الخلاف الدائر بين أهل الحديث والأشاعرة والماتردية وغيرهم من الملل، فهذا إشكال هامشي إذا ما قورن بالأزمة العقائدية الحقيقية التي نعاني منها من حيث لا نشعر.
منذ بدأ الفقهاء بتأصيل علم العقيدة والتوسع بتعريفها والتفرع بتقسيماتها وتحديد أُطِرها ومحاولة تمييزها عن غيرها من العقائد خوفاً من اختلاطها بغيرها، أقول منذ بدأ ذلك صارت العقيدة تنتقل تدريجياً من إيمان وسلوك إلى علم ودراية، وحين صارت العقيدة علماً لا تربية، أصبحت تُدَرّس لا تُغْرَس.
تأتي الخطورة هنا حين نكون على دراية بتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، في الحين الذي لا نكون مؤمنين بها قلباً ولا سلوكاً.
إن الخطاب القرآني حين تناول العقيدة كان خطاباً تربوياً بحتاً لا تعليمياً، ولو كانت الآيات التي تربي على العقيدة بالمئات لسقتها ولكنها بالآلاف.
لاحظ حين يذكر لك الله سبحانه قصة موسى وفرعون الإشارة الواضحة على توحيد الله واستحقاقه وحده للعبادة، وكأنه ينبهك أن الخضوع للطغاة نقص في التوحيد. لاحظ حين يتطرق إلى أحكام جامدة كالطلاق والإرضاع ثم يربطها جميعاً بالعقيدة، إقرأ جميع آيات الطلاق في البقرة وسورة الطلاق، لا تخلو آية واحدة منها من إشارة إلى التقوى والتذكير بالله. وكأن يربيك للتعامل مع الأحكام الإلهية تعاملاً قلبياً لا قانونياً. لم يمتدح القرآن المؤمنين بأنهم عرفوا العقيدة الصحيحة, بل امتدحهم لما غُرست هذه العقيدة في قلوبهم, إذ أن الكفار والمنافقين كانوا على علم بالعقيدة الصحيحة أيضاً “ولإن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله” وذكر الله في غير موضع أنهم على دراية أن أصنامهم لا تنفع ولاتضر, وقد أقام عليهم الأنبياء الحجة البالغة كما فعل إبراهيم “فرجعوا إلى أنفسهم” أي عرفوا حقيقة أصنامهم الباطلة وعلموا أن الله وحده المستحق للعبادة, فهم موحدون مثلنا إذاً لو كانت العقيدة مجرد دراية, ولكنها إيمان يسلتزم استحضارها في كل وقت. لم يذكر الله عبثاً تلك الأمم التي عرفت الحق وصدت عنه “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلواً” إذ أن في ذلك تحذيرللمسلمين أهل العقيدة الصحيحة من أن تكون عقيدتهم كعقائد هؤلاء.
وحين تقرأ سيرة المربي محمد صلى الله عليه وسلم تجده مربياً لا مُعلماً للعقيدة، حتى ملأ قلوب الصحابة إيماناً ويقيناً انعكس ذلك على سلوكهم، وربما كان بعضهم أعراباً لا يحفظون آية واحدة من كتاب الله, لم يكن مهماً إغراقهم بالتعاريف بقدر غرس المفهوم في القلوب, ولا عجب حين يقول صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه” وهذا كلام موجه لأهل المدينة من المؤمنين لا لكفار قريش.
وفرّق الله سبحانه بين أهل الدراية وأهل الإيمان حين: قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم. 
هؤلاء الأعراب علموا أن الله هو الإله الحق، وأنه الرازق الخالق، وعلموا فيما علموا له من صفات حسنى، مع ذلك لم يدخلهم الله في دائرة الإيمان، إذ أن مجرد المعرفة بهذا لا يجعل منك مؤمناً.
وما أقسى الأمر حين تنظر في حالك فتجد أن ما كنت تظنه من إيمانك هو مجرد معلومة مركونة في أحدى زوايا خلايا عقلك، تدعي أنك موحد لله المستحق وحده للعبادة والتعظيم، إذاً ماذا تسمى طاعتك العمياء وتعظيمك لملك أو حاكم؟ تدعي أنك مؤمن بأن الله هو المعز المذل, إذاً ماذا تسمي تزلفك لفلان وفلان من أهل المناصب؟ تدعي أنك مؤمن أن الله سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير، فأين إيمانك حين تخلو بمحارم الله؟ تدعي أنك مؤمن باسم الله الوكيل الرزاق، أين إيمانك حين يفوح منك الغرور وتكل الأمور لنفسك ويفوتك الاتكال على الله، تدعي أنك تؤمن باسم الله العدل الشديد العقاب، أين هذا الإيمان حين تظلم وتبطش بخادمك؟ تدعي أنك مؤمن بما أعده الله من نعيم في الجنة، أين إيمانك حين تنشغل عنها بدنيا زائلة؟
لست مؤمناً ولا صحيح الاعتقاد حين تقوم بذلك, وربما لا تكون مؤمناً إطلاقاً ولا من أهل الملة إذا كان هذا حالك باستمرار. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟ إن العبد في حالة شروعه بالمعصية لا يكون في لحظتها مؤمناً إطلاقاً ولا يكون جلال الله حينها حاضراً في قلبه، إذ لو مؤمناً لكان إيمانه يستدعي استحضاره السريع لرؤية الله له أثناء معصيته، ولو افترضنا أنه استحضر رؤية الله له وتجاهل ذلك وشرع بالمعصية بكل وقاحة، فإنه وإن كان حينها مستحضراً رؤية الله فإنه بلا شك لم يكن مستحضراً هيبته ولا شديد عقابه فإيمانه حينها ناقص، والحالة الثانية أقبح من الأولى.
إذاً فالعقيدة عندنا معلولة،والسبب هو تناولها في التعليم ذهنياً دون ربطها قلبياً، وهذه هي الطامة الكبرى، ليست مشكلتنا ما نراه من بدع بعض أهل البدع ومنازعة الآخرين على مسائل خلافية صغيرة، أصلح عقيدتك أولاً وثبتها في قلبك قبل عقلك، واجعلها حاكمة على سلوكك، حتى إذا استقر يقينك بالله وأردت الاستزاده، قم بعدها وابحث في دقائق مسائل الخلاف بين أهل الملل التي تندرج جميعها في دائرة الإسلام إن لم تكن في دائرة أهل السنة الواسعة.
ولما رأيت أن الطريق إلى اليقين هو طريق ممتد من المهد إلى اللحد، يُقضى العمر قبل أن تصل إليه، لذلك اخترت إيماناً فطرياً كإيمان العجائز, فقلوبهم مُلأت إيماناً حقيقياً صافياً من الأسلاك المُعقدة من التعريفات والجدليات, حسبي بأن الله سبحانه حين يحاسبني على عقيدتي لن يسألني عن تعريف توحيد الربوبية, إنما عن مدى يقيني بهذا التوحيد.
 
كان الفخر الرازي حين ينصرف من إلقاء دروسه في المسجد يشيّعه المئات من طلابه إلى بيته، يحملون الألواح ويسجلون جميع كلامه وحركاته، حتى قيل أنه إذا عطس كتبوا عطس الرازي! فمر ذات يوم وهو في موكب من التلاميذ على امرأة عجوز فقالت متعجبة: من هذا الذي يمشي في موكب من المئات؟ فالتفت إليها أحد تلاميذه فقال: هذا الإمام الرازي الذي يملك ألف دليل ودليل على وجود الله، فقالت العجوز: والله لو لم يكن له ألف شك وشك لما كان لديه ألف دليل ودليل! فسمعها الرازي وقال: اللهم أسألك إيماناً كإيمان العجائز!
 
وفي براءة إيمان العجائز ما
لم يستطع للفتى شرحاً تفلسفه
طلال

Talal Alkhedher
طلال الخضر

@talkhedher

الصراع النبوي من أجل الحرية

No comments »

      تتلخص سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أنها حياة صراع ضد الباطل من الأفكار وضد حامليها، وزرعٌ للأفكار الفطرية السليمة وحشد أنصار لها، صراع من أجل تحرير الإنسان المقيد بأغلال الجاهلية من سوء العادات والأفكار.
نقول صراع لأنه ما جاء أحد بمثل هذه البضاعة إلا وكان لزاماً أن يُحارَب. وقد فطن لذلك ورقة بن نوفل منذ أول يوم لنزول الوحي حين قال للرسول صلى الله عليه وسلم: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا وعُودِي.
.
     لم يكن هذا الصراع هيّناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أول يوم بدأ به دعوته انطلقت هناك دعوة مضادة ابتدأت بتهميشه وتسفيه كلامه والتحذير من سماعه “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” ثم قيل عنه كاهن، شاعر، ساحر، مجنون، كذاب، أوصاف أريد بها صرف الناس عنه والحط من قدره بأبي هو وأمي. وكان عمه أبولهب يمشي خلفه أينما ذهب، فلا يكاد رسول الله يدعو أحداً حتى يرفع عمه صوته ويقول: لا تسمعوا لهذا المجنون، أنا عمه وأعرف الناس به. تطور الأمر إلى تسليط أفحش الناس لساناً وأشد الشعراء بذاءة عليه يهجونه ويسبونه لتشويه سمعته وليجعلوه هيّناً على الناس، سمّوه مذمّماً وهو محمّد، كان الأذى يُلقى على أعتاب بيته، وُضع سل الجزور على رأسه وهو ساجد أمام الكعبة، أية إهانة هذه وما أعظم الابتلاء وما أقسى الألم؟ حين تقضي حياتك في مكارم الأخلاق وتتحلى بجميل المروءة وتعفّ نفسك عن كل قبيح وتتورع عن كل مشبوه حتى تنال في الدنيا حسن السمعة بين الناس، وما الذي يريده الحر في الدنيا غير ذكر حسن في قومه؟ ثم بعد كل ما بنيت من حسن سمعة، تُشن عليك حملات التشويه والتجريح المنظمة لتهدمها، وتنهال عليك الأقاويل من كل صوب، وتُلطخ سمعتك في المجتمع وتُجرّح أمانتك بين الناس، وتُروى عنك الأكاذيب من كبار القوم وصغارهم، فيصدقها أقرب الناس لك، أهلك وأصحابك، بل يبدأ بعضهم بترديدها. كان ذلك مؤلماً لحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، يعلم الله سبحانه بذلك فيواسيه: “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون* فسبّح بحمد ربك وكن من الساجدين* واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”

     كل ما سبق لم يكن يتجاوز الإيذاء اللظفي, وإلا فالصراع طويل, يزداد وطأة كل يوم, ناهيك أنه همّ يحرق قلب صاحبه لولا أن ربط الله عليه. ففي كل يوم حدث, وفي كل يوم مصيبة, وفي كل يوم مواجهة, وكل يوم خطة جديدة للعدو. عُذب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جسدياً حتى الموت, حُبس آخرون, حتى النساء منهم. خرج صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف بعد أن اشتد عليه البلاء وكله أمل أن يكون أهلها اقل إيذاءً من قومه, فاستقبله الأطفال بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين.

     كان يعلم صلى الله عليه وسلم أن هذا الطريق ليس بالطريق السهل, فتحرير الإنسان يعني منازعة الملوك في سلطانهم, وقد طال برسول الله الأذى حتى تعرض في غير مرة للحبس والاغتيال والنفي “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبوك أو يقتلوك أو يخرجوك” أي حياة هذه التي تعيشها وأن معرض في أي وقت للاعتقال أو القتل, أي هناء في الدنيا حين تفقد الأمان؟ أكل هذا من تجل تحرير الإنسان؟

     ليس هذا أقصى ما وجده رسول الله من مواجهة, فقد بلغ الصراع إلى الدم, ففقد صلى الله عليه وسلم عمّه حمزة كما فقد غيره من أصحابه رضوان الله عليهم من أجل رسالته. وما كاد أن يهنأ صلى الله عليه وسلم بانتصاره على أهل مكة الذين كانوا أشد الناس عداوة له, حتى خرج له أعداء من أهل المدينة من اليهود والمنافقين. خانه اليهود في أكثر من مرة, حاولوا اغتياله بإلقاء صخرة عليه, وضعوا له السم في الطعام. أما المنافقين فلا يزالون في كل يوم يلمزونه بأفحش الكلام ويؤذونه في أهل بيته ويطعنونه في عرضه. وهكذا كان شأنه صلى الله عليه وسلم كل يوم.

     أليس هذا هو شان كل من يدعو لتحرير الإنسان اليوم أيضاً؟ ألسنا نعيش الصراع ذاته اليوم؟ وبالأساليب ذاتها؟ تجاهل فتسفيه, ثم تكذيب فتجريح, ثم تسليط السفهاء للسب والشتم والطعن بالأنساب والأعراض, ثم حبس فضرب فقتل. ويا سعدهم حين تفقد بعض صبرك وتنزل من ملائكيّتك إلى إنسانيتك فتغضب, يا فضيحتك حينها. مالك ومال لتحرير الإنسان؟ بل مالك وما لهذه العيشة؟ بل ما لك وما للعب مع الملوك وعلية القوم؟ هلا جلست في بيتك واقتصرت على ما تطيقه من تكاليف وعبادة؟ هذا ما يخطر في بال كل من يحمل هذا لأمر كل يوم.

     ما أشبه ذلك بحراكنا السياسي اليوم في الكويت وحراك الشعوب العربية عموماً. بل إن حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت حراكاً سياسياً فكرياً اجتماعياً. لسنا كرسول الله صلى الله عليه وسلم, وأصحابنا ليسوا ككفار قريش, لكن الصراع هو الصراع, ولقد خلّد القرآن الكريم أحداث هذا الصراع وأساليبه وحواراته وتفاصيله اليومية ووصف ثقله على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كي يكون دليلاً ومرجعاً لكل من أراد أن يحمل نفس الرسالة. القرآن معجزة الإسلام الخالدة الصالحة في كل مكان وزمان, لا يمكن أن يكون كل هذا التوثيق لصراع الرسول من أجل الحرية في القرآن مجرد تاريخ مضى لأمة مضت لها ما كسبت وعليها واكتسبت. 

     إن العمود الفقري للرسالة المحمدية الخالدة هي تحرير الإنسان، وإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ثم يأتي بعد ذلك سائر التكاليف، وذلك لأن التكليف منوط بالحرية، فكلما نقصت حرية الإنسان نقص تكليفه. لا يستطيع العبد أن يطيع سيّدَين, ولا إمرة لسيّد على عبدٍ له سيّد ثانٍ.

 

كيف نحسب النسبة الحقيقية للمشاركة في الانتخابات؟

1 comment »


جميع الأنظمة, الديموقراطية منها وحتى وغير الديمقراطية, يهمّها قياس توجه الشارع.. تقيسه الأنظمة الديمقراطية كي تلبي مطالب الناس وتفوز بولايات ودورات جديدة.. وتحرص الأنظمة الأخرى أيضاً على قياسه كي ترشي هذا وترضي ذاك وتضرب غيرهم وتحافظ على حكمها.
إلا في الكويت, فإن جماعتنا لا تريد قياس الرأي العام, بل لا تريد أن يقتنع أن التوجه العام للشعب في غير اتجاهها,  بل تدفن رأسها في الأرض كالنعامة كي لا تضع عينيها بعيون الجماهير الشعبية الغاضبة. فتحاول ايهام نفسها أنها محبوبة الشعب بالعمل على امتلاك قنوات وصحف إعلامية متعددة تؤيده، واختلاق مظاهرات موالية تهتف له، وإيصال مرشحين مرتشين وشراء ذمم نواب تزيد أنصارها في المجلس.
وهذا لا يغيّر من توجه الناس شيئاً، فالناس سيظلوا على قناعاتهم ولن تغيّرهم الأرقام والإحصائيات المزيَّفة، وقد تنجح الحكومة في تزييفها وتتباهى بنصرها الرقمي.. بينما تظل المشكلة الحقيقية أن واقع الناس على غير ذلك.

هذا ما يحدث كثيراً وحدث في انتخابات مجلس الأمة 2012/12, حين كان فريقَي البرتقالي والأزرق يترقبان نسبة المشاركة أكثر من تشكيلة المجلس, حين أعلنت المعارضة مقاطعتها للانتخابات بسبب مرسوم الضرورة الذي غيّر آلية التصويت, فأصبحت الانتخابات بمثابة استفتاء شعبي على قبول هذا المرسوم, فالذي يرفض المرسوم يقاطع, والمؤيد يشارك, ثم نحتكم إلى نسبة المشاركة. وكان السؤال المهم هو: كيف نقيس النسبة الحقيقية للمشاركين؟ وكم ينبغي أن تصل نسبة المقاطعة حتى تكون ناحجة, بل كم النسبة التي يريدها النظام حتى يقتنع أنه في الطريق الخطأ؟ وكم عدد المتظاهرين الذي يريد أن يراه النظام في المسيرات كي يخجل من نفسه.. 100 – 200 – 300 ألف؟
وهكذا صار الشعب مجرد أرقام لدى الدولة، لا مواطنين، فلو كانوا مواطنين حقاً لكان النظام يسمعهم ولو كانوا 1%. فلو كانت الأمور كلها تقاس على أغلبية وأقلية لماذا نلتفت إذاً للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة باعتبارهم أقلية؟
فالنظام الذي يعامل شعبه كمواطنين حقيقيين لا مجرد أرقام يحسب ألف حساب وحساب لمظاهرة من 100 فرد، أو لمطالب يتبناها 5٪ من الشعب، فما بالك بمظاهرة بمئات الآلاف في الكويت؟ وبمقاطعة ٣٥ نائب من أصل ٥٠ للانتخابات؟
إن غاية الديمقراطية تحقيق سيادة الشعب وحرية الفرد وحقوق الناس، هذه الثوابت خط أحمر لا تخضع لاستفتاء ولا يمكن لأغلبية أن تمسها، إذ ليس كل القضايا فيها “عدّوا رجالنا وعدوا رجالكم” .. من يطالب بحقه في الكرامة والحرية والالتزام بالعقد الاجتماعي والقانون لا يحتاج لأغلبية تسنده، هذه حقوق بديهية!
ثم لنفترض جدلاً أن نسبة المؤيدين لتوجه الحكومة 51% وأنا على يقين أنها أقل من نصف هذه النسبة، هل تعتبر ذلك نجاحاً حين تخسر 49% من الشعب؟
وعلى أية حال.. إن كان ولا بد من عدّ الرجال، دعنا نعدّهم، إن كان ذلك سيقنع الحكومة.
فعلى الرغم من أن نسبة المقاطعين الرافضين للمرسوم يمكن قياسها من عدد النواب السابقين الذين قاطعوا، والنواب يمثلون ناخبيهم، 35 نائب يعني 70% من الشعب. إلا أن البعض لا يرضى بهذه المعادلة.. ولا يرضى إلا بقياسها من نسبة المشاركة في الانتخابات.
لذلك أقول أن قياس النسبة الحقيقة للمشاركين المؤيدين للمرسوم يحتاج إلى معادلة حسابية بسيطة وضعتها في آخر المقال, أرجو ألا تقفز لها قبل قراءة معطيات المعادلة.
لو افترضنا أن نسبة المشاركة هي 28% كما أعلنت المعارضة, أو 34% كما أعلن المراقبون في الحركة الديمقراطية المدنية, أو 37% كما أعلنت الحكومة, فهذا بالتأكيد لا يعني أن المقاطعين كلهم هم أنصار الفريق البرتقالي المعارض, وذلك لوجود نسبة مقاطعة في كل انتخابات, نقدرها في الكويت بـ40%, قياساً على أكثر من انتخابات ماضية تراوحت في نسب المشاركة بين 58% إلى 65% .. يعني مبدأياً إن كانت المشاركة في الانتخابات 30% فذلك يعني أن المؤيدين للمرسوم هم 50% ..هذا اعتبار مبدئي أوّل يجب أن يدخل في المعادلة.

الاعتبار الآخر هو أصوات جديدة شاركت في انتخابات مجلس الأمة 2012/12 لأول مرة وهي أربع فئات:
الفئة الأولى هي أصوات الأقليات الجديدة التي لم تكن تشارك من قبل بسبب يأسها من إيصال ممثلين لها في ظل التنافس القوى للفئات الكبيرة, وأقصد تحديداً فئة من الحضر في الدوائر الرابعة والخامسة, قبائل صغيرة في الثالثة والرابعة والخامسة, أصوات شيعية في الدوائر الثانية والثالثة والرابعة والخامسة. هذه الفئات لم تكن تشارك بثقلها إذ كانت ترى أن الدوائر مغلقة ومحسومة, ورأت في الانتخابات الأخيرة فرصة ذهبية لا تتكرر للمشاركة, وقد لا يكونوا راضين عن المرسوم بقدر إغراء الفرصة, فهذه الفئة المشارِكة الجديدة لا ينبغي أن تُحسب لصالح الفريق الأزرق المؤيد للمرسوم.. وإلا لجاز للبرتقالي أن يحسب عموم المقاطعين لصالح فريقه.

الفئة الثانية هي اصوات الفزعة. حين أصبحت الانتخابات منافسة على نسبة المشاركة لا منافسة اختيار مرشحين, قام الفريق الأزرق بطلب الفزعة من مؤيديهم الصامتين للمشاركة ورفع النسبة. أبرز هذه الأصوات هي لأبناء الصباح الذين هم أدبياً ممتنعون أصلاً عن الترشيح والتصويت في جميع الانتخابات, كنوع من الحيادية وترك المجلس للشعب. لكن ولأول مرة في التاريخ نجد رئيس الوزراء يصوّت, صورة وزير الإعلام يدلي بصوته في الصحف, أوراد الجابر تضع صورة ختم انتخابات 2012/12 على جنسيتها في الإنستغرام.. منذ متى وأبناء الصباح يصوتون؟ كان التزام أبناء الصباح في المشاركة عالياً جداً, هم وأنسابهم والمقربون منهم, والتصويت بلا شك حق لهم, لكنها أيضاً أصوات جديدة يجب ألا تُحسب لصالح الفريق الأزرق.

الفئة الثالثة هي أصوات جديدة صوّتت متأثرة بالحملة الإعلامية الضخمة التي قادتها الحكومة في الصحف والقنوات الفضائية بالدعوة للمشاركة, وهذه هي المرة الأولى للحكومة تدعو الناس للمشاركة, وقامت الحملات الإعلامية الحكومية بتذكير الناس بحقهم الشرعي في التصويت, وأن الصوت حق مؤكد لكل مواطن لا ينبغي التنازل عنه, ولا تتركوا الكويت تضيع! منذ متى كانت الحكومة حريصة على مشاركة الناس؟ أضف إلى ذلك حملات الفتاوى الشرعية التي ربطت بشكل عجيب بين المشاركة وطاعة ولي الأمر!

الفئة الرابعة هي الأصوات الطائفية. وأفهم أن الأصوات الطائفية موجودة في كل الانتخابات السابقة, لكنني أعني هنا أصوات جديدة أضيفت عليها. ففي الحين الذي كانت اللعبة الطائفية غير فاعلة كثيراً في غير الدائرة الأولى, أصبحت في هذا الانتخابات فاعلة في كل الدوائر خصوصاً بعد إعلان المعارضة للمقاطعة وهم في الغالب من السنة, وأصبح بعض السنة متخوفين من تضاعف التمثيل الشيعي في المجلس, وغذّى الفريق الأزرق هذه الطائفية المقيتة لرفع نسبة المشاركة, فانهالت أصوات سنية وشيعية جديدة في هذه الانتخابات. مما يُذكر أن أصوات الشيعة في الدائرة الأولى 30 ألف تقريباً.. حصل مجموع مرشحي الشيعة في الانتخابات على 27 ألف, مما يدل على التزام شيعي عالي جداً في المشاركة. ومن أطرف وأبكى ما لاحظت, أن أحد المغردين يكتب في تويتر “سأشارك من أجل الكويت” ثم يرسل لي على الواتساب “شارك قبل لا ياكلونا الشيعة”!
هذه أصوات جديدة لا تُحسب لصالح الأزرق.

لقياس نسبة أدق للمعارضين أو المؤيدين للمرسوم, يجب أن تحذف هذه العوامل المؤثرة على نسبة المشاركة, لأنها عوامل خاصة بهذه الانتخابات فقط دون باقي الانتخابات السابقة.

أضف إلى الفئات السابقة أصوات يجب ألا تحتسب في جميع الانتخابات, ألا وهي الأصوات المشتراة.. وهذه نسبة من الأصوات لا تعبر عن الرأي العام لا في هذه الانتخابات ولا أي انتخابات سابقة أو قادمة, ناهيك أن شراء الأصوات اشتغل بشكل هستيري في هذه الإنتخابات بالذات.

لذلك تكون المعادلة الحقيقة الأدق لمؤيدي الفريق الأزرق المؤيدين للمرسوم = (نسبة المُشاركة في انتخابات 2012/12 / معدل نسبة المشاركة في عموم الانتخابات السابقة) – أصوات الأقليات الجديدة – أصوات الفزعة – تأثير حملة شارك – أصوات طائفية جديدة – الأصوات المُباعة

أترك للحكومة قياس النتائج وفقاً لهذه المعادلة, وأترك لها بالطبع تقدير نسب هذه الأصوات الجديدة, فهي أعلم كم الأصوات التي “نختها” واشترتها.
طلال الخضر ٤ ديسمبر ٢٠١٢

قميصٌ قُدّ من جَنْبً

4 comments »

    شرقاً باتجاه ولاية صُور, المدينة الساحلية العُمانية الساحرة, أول بقعة تطل عليها الشمس في الوطن العربي, كان الشعر هناك, حين أقيم مهرجان الأدب والفن لشباب دول مجلس التعاون الخليجي الرابع الذي أقامته وزارة الثقافة والتراث العُمانية, واجتمعت فيه وفودٌ من دول الخليج الستة تضم جميعها شاعراً فصيحاً وشاعراً شعبياً, وخطاطاً وفناناً تشكيلياً ومصوّراً ضوئياً. وتشرفت بتمثيل الكويت في الشعر الفصيح.. واستهللت القصيد بتحية الجمهور العماني الجميل:

سقانا الشعر.. أفدي من سقانا
أنا وأنا ولا أحداً سوانا


غداة قلوبنا اغتسلت بشعر
فأُسكِرْنا وأَسكَرْنا عُمانَ


عُمانٌ.. حيث مر الحبُّ يوماً
ففجر إثر خُطْوته الجِنانَ


ًوأنبت من شغاف الأرض شعبا
همُ أعلى برايا الكون شانا


أماءتْ لي خناجرها وقالت
هَلُمَّ تعال أُعطيك الأمانَ

 

قميصٌ قُدّ من جنْبٍ

مُذ أُلهِمَت أُمُّهُ في اليمِّ تقذِفُه
أنا على الشاطئ الغربيّ ألقُفُه


قد أرسلتني السما عيناً له فأنا
حامي النبيِّ وراويه ومُردفه


وحارس الغيبِ إلا أنني بشرٌ
لا حظّ لي باستراق السمع أخطُفُه


أراقبُ  اليمَّ يجري بالصبيِّ على
دربٍ كما مُنذ بدءِ الخَلْق يألفه


ومَدّ ربّك من أعماق منبعه
أَيدٍ من الماء للتابوت تجدفه


ماجاء قصر الهوي كيما يكون به
عبداً لسيدِهِ.. بل جاء يَخلُفه

****

لما استوى حيرةً.. واشتدَّ أسئلةً
قد كنت من “حِكَمِ الإشراق” أُتحفه


ًنُجالسُ الصقرَ نثني عندَه رُكَبَا
نشتمُّ حُريةً مما يرفرفه


ونطلب العلم عند الماء في حِلَقٍ
كل التلاميذ من تقواه تَغرِفه


وكم لمزنا هلالاً في نحافته
ولم نزل بقبيح الوصف نقذفه


حتى عقلنا وأدركنا حقيقته
أنْ كان من عِفّةٍ فيهِ تَجَوُّفه


ورُبَّ ليلٍ تراشقنا بأنجمه
لهواً كما صَدَفٍ في البحر “نحذفه”


نجرُّ شمس الضحى من شعر قُمّتها
لكي نسابقها والبدر نخسفه


وكلما اصطاد معنى جاء يتحفُني
كما أنا بجديد الصيد أتحفه


وجاءني فَزِعاً من فكرةٍ سَقَطَتْ
برأسه من سماء الغار تُنزِفه


يقول يا خلُّ دثّرْني بقافِيةٍ
فبتُّ بالشعر والأوراد أُلحفه


أدركت أنّ الفتى مُحصَّنٌ وله
شأن إذا قامتْ الكبُرى سيكشفه


اذهب فأنت نبيُّ العصرِ أَرسلَهُ
إلى الطواغيت والثورات مُصحفه

****

وعِشْتُ وحدي سؤالاً لا جوابَ له
إن أذرف الشَّكَّ لا شيخاً يُكفكفه


غريبُ مُصْطَلحٍ يمشي يُفَتِّشُ ما
بين المعاجم عن بابٍ يُعَرُّفه


صيّاد فِكْرٍ يجوب البحر قرصنةً
في كل بحرِ علومٍ غاص مِجْدَفُه


أُقَلِّبُ النصَّ تأويلاً.. أُحَقّقُه
لعله قد مَحَى إسمي مُؤلفه!


أُفلسفُ الكون والأشياءَ مُنْتَشياً
والخبزَ بين يدي.. أيضاً أُفلسفه


أُعيد تسمية الأشياء مُذ أزلٍ
ولو كرهتُ بها معنى أُحَرِّفُه


وفوق رأسي يحوم الشك طائرةً
تهوي على مركز الإيمان تقصفه


أُحاكمُ الكون في قاعات محكمتي
والكون يعلم أني لست أنصفه


أُحاكم الناسَ: من أنتم؟ وما دمكم؟
وما يريد الفتى منكم ويهدفه؟


وثَمَّ فُنجانُ بُنًّ أمتطيه عسى
أن أَرْشُفَ الحكم فيهم حين أَرْشُفُه


هل الوجود حقيقي فألمسُه؟
أم أنه حُلُمٌ والناس زُخْرُفهُ


هبني وحيداً وهذا الكون كلّفني
ألم يجد أحداً غيري يكلفه؟


تقلد الناسُ دور الناسِ توهِمُني
حقيقةَ الكون حتى صرتُ آلفُه


إذا تَلَفَّتَ طَرْفي نحوهمْ شُغلوا
ويُصبحون جماداً حين أصرفه!


فمن أنا؟ يا سؤالاً بات يطرحني
وبِتُّ بالعفو والحسنى أُحَلّفُه

****

أنا المُريد بدرسٍ في السماء به
شيخُ الطريقة نحو الله يردفه


أقام في الغار يدعو الله معتزلا
يُجَفّفُ الماء من نبعٍ تَقَشُّفُه!


ليت التصوّفَ جسرٌ كنت أعبُره
إلى الحقيقة أو جحرٌ فأزحفُه


لكنه حالةٌ غاب المريد بها
إلى مكانٍ/ زمانٍ لست تعرفه


وفي براءةِ إيمانِ العجائزِ ما
لم يستطعْ للفتى شرحاً تصوُّفُه


أستغفر الله إلا من مساءَلتي
والعبدُ في البحث لا يرجى تأسفه


أفصحت بالذنب عند النهر ملتمساً
منه الخلاص لعل النهر يجرفه

****

أنا النذير لقومٍ أحرقوا بلداً
فأصبح الناس “بالخوان” توصفه


أنا المواطن مصلوبٌ على وطنٍ
النخل يعرفني فيه وأعرفه


يُروى به الورد أسيافاً سُفحن على
قميص عثمان واهل البغي تقطفه


سيذكروني يجرّون البُكا أَسَفاً
وحيث لا ينفع الباكي تأسُّفُه


وإنََّ عُذراً أتى من بعد ما انكسرت
قارورةُ الروح قل لي أين أصرفه؟


ماكنت أعزفُ من “كُردٍ” ومن “عَجَمٍ”
على مقام “الصبا” أصبحتُ أعزفه


فليت أمسيَ ثوبٌ كنت أخلعه
أو ليت حُلميَ دمعٌ كنت أذرفه


ٍأُصِبتُ همّين: همٌ غير منكشف
وآخرٌ كادت الأحلام تكشفه


وكلّفتني الصحاري من مبادئها
ُمالم تَكُنْ أَكْتُفُ التقوى تَكَلَّفُه


وراودتني من الأفكار أضعفُها
جِسماً وأفتك ما في النهد أضعفه


قدّت قميصيَ من جنبٍ على عتب
وهي التي مُنذ “يوم اليمِّ” تَخْصِفُه


اليوم أزرار عمري بعدما انفرطت
أضحت نصالاً.. وأغلى الحب أعنفُه


ما زال “يعقوب” أعمى في ضلالته
حتى أتى بقميص الحب “يوسفه”

 

 

دعني أقطع عنقه يا رسول الله

3 comments »

الحمد لله أن أمة محمدٍ تحب محمداً، وأن أمة محمد لا ترضى على محمد، وأن أمة محمد كلها فداء لمحمد، صلى الله عليه وسلم.

جميعنا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نزايد على أحد بذلك ولا يزايد أحد علينا ، بغض النظر عن اختلاف سُبل التعبير بالحب، إلا أن شعور الحب واحد، وللناس فيما يعشقون مذاهب. فالذي قتل السفير الأمريكي غضباً لرسول الله، حبه لرسول الله كالذي اعتصم سلمياً أمام السفارة بكل رقي وأوصل رسالة حضارية عن الإسلام للعالم، وحبه أيضاً لا يزيد على من سمع بأمر الفيلم المسيء فاستحى أن يثير الموضوع وينبه الآخرين بها حشيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هؤلاء يحبون رسول الله.

 .

إلا أن الأمة حين يُساء لنبيها صلى الله عليه وسلم، فهي أمام طريقين: إما أن تستثمر الإساءة لصالحها وترد رداً حضارياً وتقف وقفة غضب متزنة توصل بها رسالة للعالم أنها أمة متديّنة تقدس رسولها، وتغتنم الفرصة لدعوة العالم إلى أخلاق دينها التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإما أن تقوم بتجاهل متعمد للإساءة -على رغم ألمها- بغية إحباط محاولة من أراد انتشار إساءته وإثارة غضب المسلمين. وأنا أميل إلى الطريق الثاني إذا كان انتشار الاساءة محدود والمسيء إليه شخص مغمور، وإلى الطريق الأول إذا كان انتشارها واسع وسَمِعها القاصي والداني.

 .

   قد يقول قائل: وأبن عزة الاسلام؟ وأين ما ورد عن إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن زهير وابن خطل وابن أبي السرح الذين هجوا النبي وشتموه؟

هنا يجب التفريق بين أن يكون المسيء تحت سلطان دولة المسلمين أو تحت سلطان غيرهم، فإن كان تحت سلطان دولة المسلمين فيكتم على إساءته ويُحرص على عدم تناقلها ويعاقب هو وحده بعيداً عن الزعزعة، وإن لم يكن تحت سلطانهم فلا سبيل لنا إليه.

وهذا ما كان مع هؤلاء الذين هجوا رسول الله، فقد أمر رسول الله بإهدار دماءهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وكان ذلك بعد فتح مكة وسيطرة المسلمين عليها وخضوع جميع من فيها تحت سلطان النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للنبي سلطان على كفار مكة الذين كانوا يشتمونه قبل الهجرة ولم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بإهدار دماءهم حتى لا تكون فوضى وفتنة.

 .

وإن مما يثير الغرابة أنه لم يرد الرواة ولم يذكر التاريخ أي بيت شعر في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم، بالطبع ورد أنه تم هجاؤه من كثير من الكفار، لكن أين ما قالوه؟ لقد ذكر الرواة قصيدة كعب بن زهير في مدح النبي واعتذاره إليه، لكن أين قصيدته في هجاءه؟ أيعقل أن أحداً من رواة الصحابة ورده المديح ولم يرده الهجاء؟ أين حفظة الشعر الذين حفظوا لتاريخ العرب أشعار الجاهلية.. ألم يذكر أحدهم بيتاً واحداً في هجاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنها حشيمة الصحابة والرواة رضوان الله عليهم لنبيهم وأدبهم الرفيع معه، إذ كانوا يسمعون ما يضيق له صدورهم من إساءات جمة لحبيبهم صلى الله عليهم وسلم فيوصدون آذانهم عنها ولا يحدثون بها. كان يقول عمر بن الخطاب: أميتوا الباطل بهجره.

 .

وفي الحين الذي يسمع عمر رضي الله عنه إساءة عبدالله ابن أبي بن سلول للنبي عليه الصلاة والسلام يقول: دعني أقطع عنقه يا رسول الله! يأبى رسول الله ذلك، لأن الله تكفل بالذود عن نبيه وتكفل بعقاب المستهزءين “إنا كفيناك المستهزءين،* الذين يجعلون مع الله إله آخر فسوف يعلمون* ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون* فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين* واعبد ربك حتى يأتيك اليقين*”

هكذا ربّى الله نبيه، بالأعراض عن المستهزءين والاستمرار بالدعوة والعبادة.

 .

وهب أننا التفتنا لكل معتوه كافر آراد النيل من نبينا ولن ينال منه، أي أمة نحن التي لا تحيا إلا إذا أهين نبيها؟ أي أمة نحن التي لا تعيش إلا على ردات الفعل؟ ألا ينبغى أن يكون كل فرد منا منشغلاً بحقل من حقول الدعوة ونهضة الأمة ومصالح الأنام؟ كم استنزفت ردود الأفعال طاقات المسلمين بلا جدوى حين نجح المستهزء باستفزاز مشاعرهم. إن الفعل هو الأصل وردات الفعل استثناء، فلا ينبغي أن نقوم بردة فعل إلا لشيء يستحق ذلك ويكون رد الفعل بالقدر المناسب له وبالاخلاق المناسبة.

 .

إن كرهنا القديم لأمريكا بسبب جرائمها الهمجية في العراق ولوقوفها المشين مع إسرائيل وموافقها الأنانية المتكررة التي تطغى فيها أطماعها والسعي لمصالحها بخلاف مبادئها التي تتشدق بها يجعلنا أكثر اندافعاً لتعليق الاتهام على رقبتها، ولنكن موضوعيين، في هذه القضية، لا تستطيع أمريكا ولا أي دولة إيقاف كل معتوه يرفع مقاطع الفيديو المسيئة على اليوتيوب. وإن إستنكار المسؤولين الأمريكيين والكنائس الكبيرة للإساءة على رسولنا ولو كان تصريحاً لسانياً واعتقال منتج الفيلم في لوس أنجلوس أمر يجب أن يُقدّر ويجعلنا نوجه الاتهام إلى صاحب الاتهام الحقيقي، لا الإصرار على تفريغ الغضب غير المنضبط على من له يد ومن ليس له.

 .

الغريب أننا في الوقت الذي يشاد بنا على الثورات السلمية الحضارية التي أثبتت جدواها في التغيير، لا أدري مالذي حصل لنا اليوم من تشنج وانفلات للأعصاب. وهنا ينبغي أن أشيد بالمواقف الاحتجاجية المتزنة التي حصلت في الكويت وبعض الدول الإسلامية الأخرى التي تمثلت باعتصام منضبط أمام السفارة الأمريكية -بالرغم من عدم تورطها اليوم بذلك- وتقديم رسالة حضارية للعالم بأننا نحب نبينا صلى الله عليه وسلم.

.
مواقف كهذه لاينبغي أن يمسك زمامها المنفعلين، ولا يجري خلف انفعال المنفعلين العاقلون، وأفهم تماماً مصير العقلاء من الساسة والدعاة فيما لو خالف أحدهم التيار الغاضب أثناء فورة غضبه وطرح طرحاً هادئاً متزنا لربما اتهم بالعمالة وخسر سياسيا وشعبيا، ولكن لابد أن يقول العقلاء كلمتهم ولو كان ذلك على حساب الـ”unfollow”، خصوصاً هؤلاء العقلاء الذين رأيتهم متواجدين في ساحات الاعتصام وأعلم تماماً رأيهم الخاص الذي يميل إلى تهميش الاساءات. أما الغضب فإما أن يستثمر لصالحنا ويجعلنا أكثر تمسكاً بهدي رسول الله واتباع سنته ويدفعنا إلى المزيد من الجهد في سبيل نهضة أمته وإما أن لا نغضب.

الإشكال بين المفكرين والفقهاء

No comments »

الإشكال بينهما ليس حديثاً, فطالما كان هناك جدل بين الأصوليين والفلاسفة المسلمين حول صلاحيات المجال والتخصص, وتعدّي أحد الطرفين على تخصص الآخر أو حصره في إطار ضيّق.

انتقل الجدل من الفلاسفة إلى المفكرين, بالأخص المفكر الإسلامي الذي من لوازم تخصصه التطرق إلى مسائل شرعية التي تتعلق بالكلّيات, سواءً كان يُعمل عقله فيها ويجتهد أو أنه ينقل أقوال الفقهاء فيها أو يرجح ويختار أحدها. وهذا ما يثير حفيظة السادة العلماء الفقهاء ورأي العامّة أيضاً ويعتبرونه تدخلاً في اختصاصهم أو قفزاً على مقام الإفتاء بغير علم, ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.

والعكس أيضاً حين يتطرق بعض الفقهاء إلى  قضايا الفكر من وجهة نظر شرعية بحتة كنهضة الأمة ونظام الدولة في الإسلام ومعالجة التخلف الاقتصادي والتعليمي ويختزل سبب انحطاط الأمة في الضعف الإيماني وترك الجهاد وحب الدنيا!

وهذا الإشكال حتماً لا يقع في فخه الراسخون في العلم من العلماء الربانيين المتمكنين في أصول العلم والمدركين لحقيقة الواقع والمتفهمين لأدوار الآخرين في ميدان خدمة الدين, ولا يقع فيه المفكرون الكبار المخلصين المتمكنين.

تحرير المصطلحات:
يظل هناك إشكالاً ولبساً بين الفريقين الكريمين, نحاول أن نسلط عليه الضوء ونبين ملامحه ونحرر وجه النزاع ولعلنا نبدأ بتحرير المصطلحات: المفكر, الفقيه, العالم

نقصد بالفقيه: هو الأصولي المتخصص في الفقه الذي يملك آله الاجتهاد والإفتاء في الحلال والحرام الذي “يستفرغ وسعه” في طلب الظن في الشيء من الأحكام الشرعية كما أشار الآمدي في تعريفه.

وعلى الرغم من شحّ التعريفات للمفكر وتعذر وجود تعريف جامع مانع, فإني مضطر لاختيار تعريف الدكتور عبدالكريم بكار لقربه ولتفرده مع بعض التعديل. المفكر هو الذي يُعمل عقله في صناعة المفاهيم العامة والكلّية وبلورة الرؤى واستخلاص العبر وكشف السنن ونقد الواقع وتشخيص الأزمات في الساحة الإجتماعية أو السياسية.

ولو أضفنا إلى المفكر صفة “الإسلامي”, فهذا يعني أن هذا المفكر قد ألزم أفكاره بموافقة الشرع, فهو إذاً قد يكون ذو ثقافة شرعية واسعة, ويكثر المطالعة في التاريخ الإسلامي –بالإضافة إلى تاريخ الأمم الأخرى- ويستوحي الأفكار والمفاهيم من التراث النبوي والراشدي وغيره ولن يرضى بأي حل لإصلاح المجتمع إلا أن يكون موافقاً للشرع. وهذا قيد قد لا يلزم المفكرين الآخرين أنفسهم عليه فيطرحون أفكاراً لا يشترط موافقتها للشريعة سواء كانت أفكاراً وحلولاً جيدة أم لا.

العالِم: هو شخص برع في تخصص من التخصصات حتى فاق أقرانه وتفوق عليهم, وقد درج إطلاق هذا اللقب على المتخصص في علوم الشريعة, وهو كذلك, وقد يطلق أيضاً على عالم الجغرافيا والكيمياء والطب وعلم النفس وغيره.

العلماء وأهل الذكر في القرآن:

وقد يقول قائل, أن لفظ “العالِم” قد تُطلق هكذا اصطلاحاً على غير الفقهاء من أهل علوم الدنيا, أما مراد الله في القرآن على “العلماء” “وأهل الذكر” لأهل العلم بالدين فحسب.

نرجع لتفسير قول الله “إنما يخشى الله من عباده العلماء” ونجد أغلب التفاسير تحوم حول أن العالم هو الذي أوصله علمه لمعرفة الله وخشيته, فالضابط هو الوصول إلى الله, فهو عالم الدين الذي تعلم أسماء الله وصفاته, ورأى حكمته في التشريع لما يصلح للإنسان, وعلم جنته وناره فخشي أن يعصيه, وهو عالم الفلك الذي تبحر في إعجاز خلق الله في المجرات والأجرام السماوية وكيف يسبح كل منها بدقه في مسار لا انحراف فيه فعرف أن وراء ذلك رباً عظيماً فعبده وخَشِيَهُ, وهو عالم الطب “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” الذي يعلم تفاصيل خلق الله في الإنسان من خلايا دموية وشرايين وأعضاء وأجهزة حساسة تقوم بوظائفها دون إرادة الإنسان, فعَلِم رحمة الله وحكمته فخافه واتقاه, وهو عالم التاريخ الذي طبق قول الله “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم” ففهم عواقب الأمم المؤمنة التي نصرها الله والأمم الكافرة  التي خسف بها والأمم الجاحدة التي أرسل عليها سيل العرم, ورأي كيف يعيد التاريخ نفسه واستوعب سنن الله في التاريخ وأدى به ذلك إلى التسليم لله بالخوف منه, كل هؤلاء علماء, قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّه مِنْ عِبَاده الْعُلَمَاء ” قَالَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير, وَعَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الْعِلْم عَنْ كَثْرَة الْحَدِيث وَلَكِنَّ الْعِلْم عَنْ كَثْرَة الْخَشْيَة, عَنْ مَالِك قَالَ : إِنَّ الْعِلْم لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَة وَإِنَّمَا الْعِلْم نُور يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب.

أما “أهل الذكر” فجاءت في موضعين, في سورة النحل وسورة الأنبياء, وأهل الذكر المقصودون في هذين الموضعين هم أهل الكتب السابقة من أهل التوراة والإنجيل, فقد كانت قريش تنكر على الرسول صلى الله عليه وسلم أن بعث الله بشراً رسولاً, فدعا الله المشركين أن يسألوا أهل الكتب السابقة إن كان الله بعث لهم رجالاً أم ملائكة “وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزُبُر” عَنْ مُجَاهِد: فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر قَالَ : أَهْل التَّوْرَاة, وقال ابن عباس: هم أهل الكتب الماضية.

ويتضح أن تفسير أهل الذكر لا يخدم موضوعنا ولا يحدد مواصفات العالم, كيف لا وهو يعني غير المسلمين أصلاً, وإن كان يسأنس البعض بالآية ويجعلها مَثَلاً لأن يسأل الإنسان أهل الاختصاص إن كان لا يعلم ولا حرج في ذلك, لكنها قطعاً لا تعني أهل الفقه.

الإمام الشافعي وعلوم الدنيا:
ومما نُسب إلى الإمام الشافعي بيتان أرجو من الله ألا يكونا له, يقولان:

كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ
إلا الحديث وعلم الفقه في الدين

العلم ما قال أهلم العلم “حدّثنا”
وما سوى ذاك وسواس الشياطينِ

وأنا أستبعد أن يكون ذلك له وإن دُرجا في ديوانه, لأنه ثبت عنه أنه قال: “أشرف علوم الدين الفقه, واشرف علوم الدنيا الطب” فالأمام الحجة الشافعي أوسع فهماً وأبعد نظراً من أن يعتبر علوم الدنيا النافعة وسواس الشياطين, ولو افترضنا نسبته له فكلٌ يُؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

نعود إلى الفقيه والعالم والمفكر, ونستخلص أن كلا المفكر والفقيه علماء, يتفاضلان بحسب قربهما من الله وخشيته, على افتراض أن الفكر علمٌ من العلوم يقوم بدراسة المجتمعات ويعالج إشكالاتها ويحلل أسباب ضعفها وقوتها ويضع الحلول الدنيوية لنهضتها, والحلول الدينية إن كان مفكراً إسلامياً.

موضع النزاع:

          ولعل الإشكال بين المفكر والفقيه الأصولي تقع في أحدى أو بعض أو جميع هذه الأسباب الستة:

1-    سوء الظن بينهما, وسوء الظن ليس راجع لتباين علمي إنما هو إثم في صدور المؤمنين نابع من ريبة وشيء من هوى, وهذا مالا يقع فيه الراسخون في العلم. فمن لوازم المفكر الاطلاع على الحضارات الأخرى, الماضية والحالية, لا سيما الحضارات الناجحة التي هي اليوم بلا شك الحضارات الغربية امريكا والأوروبية العلمانية النصرانية, أو الحضارات الشرقية اليابانية والكورية الشيوعية البوذية, وقد يحتاج المفكر أن يقيم فيها لسنوات ويستفيد منها, وهذا ما قد يجعله يبدو متغرباً أو مغسول دماغيا لمن لا يعي هذه المعادلة. والفقيه الأصولي من لوازم علمه التعمق في التراث الفقهي الشرقي البحت, فهو حتماً لن يجد الفقه في التراث الغربي, ولن يحتاج التغرب في طلب العلم إلا داخل إطار بقاع الإسلام, وهذا ما قد يجعله يبدو منغلقاً. وهنا يفقد المفكر الثقة بالفقهاء الذين لا يستوعبون ما يحاول أن يطرحه من أفكار رآها في غربته وتصلح لخدمة الأمة ويفقد الأمل فيهم أن يكونوا سببا ً في نهضة الإسلام, ويفقد الفقيه الثقة والأمل بالمفكر الذي يرى فيه الابتداع بإلادخال في الدين ما ليس فيه والانبهار بالغرب ودس السم بالعسل والإتيان بإسلام أمريكي!

2-    دخول طرف في حمى تخصص الآخر, كأن يتحدث المفكر عن المسائل الشرعية ويتحدث الفقيه في المسائل الفكرية وهذا من أكثر ما يُلبس عليهما فيه. وهنا نقول أن الخط الأحمر أن يجتهد طرف في غير تخصصه وأعني بالاجتهاد التفرد برأي مستقل والترجيح بين ألآراء المختلفة, أما أن يستشهد المفكر مثلاً بأقوال الفقهاء في مسألة ويسرد أدلتهم هم لا أدلته هو فيها فهذا نقل لا اجتهاد, وهو مقبول بل هو من ضرورات كل العلوم التي يرتبط بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً, فمن لوازم الفقيه المجتهد أن يحيط بالنحو, وقد لا يكون مجتهداً في النحو إنما يكفيه الإحاطة به ويسعه الاستشهاد بأقوال أهل النحو دون الافتاء فيه, وكل العلوم على ذلك.

3-    المسائل المشتركة بين التخصصين. كثيرة هي المسائل التي يتقاطع فيها الفقه والفكر, كمسائل الحريات ونظام الدولة وقضايا الإعلام والاقتصاد والفن, وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى, وليلى تقرّ لكلاهما بذاكَ, على افتراض أن الفقيه هنا يكون مُلمّا بواقع هذه القضايا إلماماً تاماً يُمكنه من إنزال الحكم الشرعي الواقعي عليها, ويكون المفكر مُلمّاً بالأحكام الشرعية وأقوال العلماء –في هذه المسائل- إلماماً يُمكنه من التفكير وطرح الحلول داخل إطار الشرع.

4-    عدم اعتراف طرف لدور الآخر. للأسف هناك من المفكرين من لغى دور العلماء في نهضة الأمة أو حصر دورهم في المسائل السطحية وادّعى أن الشريعة لا تحتاج إلى علماء وأن فهم الكتاب والسنة متيسر لكل مسلم دون وساطة أهل العلم, وفي المقابل أنكر بعض الفقهاء دور المفكر واعتبرو الفكر هرطقات وتنظير بلا تطبيق, وأن كل ما يقوم به المفكر يستطيع الفقيه أن يقوم به, وكل الحلول لمشاكل الأمة موجودة في الشريعة و”كل الصيد في جوف الفرا”. وأن كل طرف قادر على القيام بدور الآخر.

5-    عدم وضوح متى يكون المفكر مؤهلاً للفكر. وهذه المشكلة قد يكون سببها أنه لا يزال لا يوجد تعريف جامع مانع للمفكر ولا خصائص محددة لدوره فدخل تحت اسم “مفكر” كل من هبّ ودبّ. فأزعج ذلك الفقهاء كما أزعج المفكرين وغيرهم. والذي يخفى على هؤلاء أنه كما للفقه “آلة الإفتاء” لا يملكها إلا من هضم الأصول, فإن الفكر له “آلة النقد” أو “آلة التفكير النقدي” كما أصفها, لا يملكها إلا من هضم علم المنطق والفلسفة وتبحر في علم الإجتماع والتاريخ, وإن كان “مفكراً إسلامياً” فأضف عليها العلم بالأصول والمقاصد.

6-    قد يكون الفقيه مفكراً, والمُفكر فقيهاً -وهذان اسطورتان لو وُجدا- ويكون أحدهما قد اشتُهر بتخصص دون الآخر بالرغم من تمكنه بالتخصص الآخر, كأن يكون أغلب أطروحاته ومؤلفاته في تخصص دون الآخر ثم يفاجئ الجمهور بالتعليق على أمر في إطار التخصص الثاني, فيُلام ويهاجم على التكلم بغير فنّه. وحتى نقطع حبل التلاعب في هذا, يجب على المفكر أن يُزكّى من “أهل الفكر” كما يًزكى الفقيه من مشايخه الثقات, وهذه ثغرة كبيرة لا تزال مفتوحة في باب الفكر, فيدخله أي أحد يدّعي أن لديه أفكاراً إصلاحية جيدة, وقد يكون كذلك, لكنه لم يفتح كتاباً في المنطق ولا في علم الاجتماع فكيف يكون له “آلة الفكر”؟ يحتاج المفكرون لإدراج الفكر في الجامعات أو المعاهد كتخصص علمي قائم بذاته تمنح لمجتازيه شهادة تثبت تمكنهم من العلم وتؤهلهم لمزاولة الفكر, لا احتكاراً لحرية التفكير, بل احتراماً للتخصص.

لعل هذه أبرز أسباب الصراع بين الفقهاء والمفكرين, لو استوعبها الطرفان ربما قلّت حدة التوتر بينهما, ولسنا مع أحد ضد الآخر, وقد عرفنا قيمة العلماء الفقهاء الأجلاء ودورهم في الأمة وفضلهم في الإسلام, وقيمة المفكرين وضرورة دورهم في هذا الزمان التي تتصارع فيه الأيدلوجيات وتتسارع فيه انتقال المعلومات, ونهدف أن يقوم كلٌ منها بدوره لنهضة الأمة وقيام حضارةٍ أصيلة متقدمة.

طلال الخضر

8 يوليو 2012

مرسي في مأزق

2 comments »


وأخيراً وُلد الرئيس العربي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق, جاء على فترة من الرؤساء بشراً رئيساً, لا ملكاً رسولاً, الرئيس الدكتور محمد مرسي ابن الفلاح وربّة البيت الذي يعقد المصريون عليه آمالهم.

محمد مرسي -أو من كان سيحل محله- اليوم في مأزقين كبيرين هما علوّ التوقعات ونقص الصلاحيات. تُعلّق على الرئيس اليوم آمال 7 آلاف سنة من تاريخ مصر غير الديمقراطي, وآمال الطبقة المسحوقة شديدة الفقر, ودماء شهداء الثورة وما قبل الثورة, وآمال شباب الثورة العالية لا سيما الثوار المعارضون لمرسي. وكنا قد أخذنا في دراستنا للتسويق عن مفهوم “توقعات العميل” “customer expectation” وما لتوقعاته من ارتباط مباشر برضاه عن الخدمة أو المنتج, وكلّما ارتفعت توقعات العميل صعبت المهمة على المنظمة لتحقيق رضاه. محمد مرسي في ظل التوقعات العالية اليوم لا يستطيع ذلك, لا هو ولا أبوالفتوح ولا شفيق ولا حمدين ولا من كان ليحل رئيساً مكانه, وإذا أضفنا على مشكلة علو التوقعات نقص الصلاحيات خصوصاً بعد الإعلان الدستوري المكمل أو “الإعلان العسكوري” كما وصفته إحدى اليافطات التي قرأتها في ميدان التحرير, فإن ذلك سيجعله في مأزق حقيقي.

أما مشكلة علو التوقعات.. فعلى الإخوان والنخب السياسية والمثقفين إنزالها تفادياً لخيبة الأمل الشعبية, مما قد يهدد الثورة بالفشل وسقوطها من أعين المصريين والترحم على النظام السابق وهذه مصيبة أخرى, فدور النخب اليوم إنزال مستوى التوقعات لدى العامة والإيضاح لهم تحديات الرئيس في المرحلة ودعوتهم للإقلال عليه نقداً ولوماً ما استطاعوا لحين يملك زمام الحكم بكل صلاحياته. فلينس المصريون أنهم سيرون تحسّناً اقتصاديا أو تطوراً في مرافق الدولة أو تغيّرا واضحاً في العلاقات الخارجية في عهد مرسي ولا في عهد من سيخلفه, حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له ذلك في عهده, وكان الازدهار في عهد الخلفاء من بعده, حيث كان العهد النبوي التأسيسي يركز على تأصيل المبادئ والتخلص من آثار العهد الجاهلي الطويل. قدر مرسي أن يكون رئيساً تأسيسياً لدولة مصر الجديدة.. والتأسيس لا تكون فيه أرباحاً.. فلا ازدهار اقتصادي ولاتنمية.. بل دستور وقواعد. ولو كنت مصرياً لكان يكفيني من الرئيس خلال الولاية الأولى أن يستلم هو صلاحياته كاملة, ثم تُحدد صلاحيات باقي السلطات, ويُكتب الدستور المصري الجديد بإجماع شعبي بما ترتضيه مطالب الثورة, وتنظيف ما يستطيع من القضاء, وإعادة المجلس العسكري لوضعه الوطني الطبيعي تحت مكتب الرئاسة.

إن أكبر نجاح لرئيس يستلم الدولة بعد تِرِكة 40 سنة من الاستبداد والفساد,أن تكون ولايته “بروفة” أو “test drive” للولاية القادمة, يكفيه نجاحاً أن يُعبّد الطريق لمن بعده, وينفض الغبار عن كرسي الرئاسة وينظف الأدوات ويسلمها للرئيس القادم بأقل خسائر سياسية ممكنة. إن فعل هذا فقط “يبقى كثّر خيره”

أما مشكلة نقص الصلاحيات يعني أن بعض أدوات الرئيس الآن بيد أطراف أخرى, وهذا يعني أن الرئيس يحتاج أن يستردها, يعني إما بالقوة أو بالحيلة والمهادنة, والشارع الثائر لن يرضى بالمهادنة مع المجلس العسكري, وقد شهدنا استياء القوى الثورية بعد زيارة الرئيس مرسي بعد فوزه لمقر المجلس العسكري في الحين الذي كان ينبغي للعسكري أن يزور الرئيس في مقره, خصوصاً أهالي شهداء الثورة الذين يعتبرون مرسي “وليّ الدم”, وينتظرون منه حق دماء أبنائهم وآخر ما يفكرون به كتابة دستور أو تثبيت النظام الديمواقراطي. وكأننا في هذا المشهد نستعرض بداية خلافة الإمام علي رضي الله عنه الذي كان بين ضغط ذوي عثمان للأخذ بدمه, وبين هيمنة قتلة عثمان على المدينة.

إن قتلة عثمان في مصر ليسوا المجلس العسكري فقط, بل هم الإعلام وأصحاب رؤوس الأموال والداخلية ومؤسسات الدولة وشريحة مؤيدة كبيرة من الشعب, وأن يبدأ الرئيس ولايته بمحاربة كل هؤلاء يعني قيام ثورة جديدة. محمد مرسي أمام طريقين, الطريق الأول أن يُعلن الحرب من البداية ويرفض القسم أمام المحكمة الدستورية ويرفض الإعلان الدستوري المكمل ويبدأ بإعادة محاكمة مبارك ونجليه ويضم معهم المجلس العسكري, ولن ينجح في ذلك إلا إذا كان جميع القوى الثورية بلا استثناء نازلة إلى الشارع, حتى لو أدى ذلك لسقوط مئات الشهداء والجرحى والاعتقالات, ويستمر الثوار في الصمود في الميدان إلى أن يرضخ المجلس العسكري أو تحدث الانشقاقات في الجيش.

الطريق الثاني هو الأسلوب الأوردوغاني الذي تفادى الصدام وأخّر الانتقام, ومن قبله الإمام علي الذي أخّر القصاص (المطالب الشعبية) لحين تثبيت الحكم, وقد يكون ذلك من خلال إبرام بعض الصفقات مع العسكر لاستلام المزيد من الصلاحيات مقابل التعهد بغض النظر عن تورط العسكر بالمصالح التجارية غير المشروعة وعدم محاكمتهم على ما فات.

الفرق بين الضباط الأتراك والمصريين:

ولعلي لست مطمئناً للطريق الثاني بالرغم من كثرة المنادين بالاستفادة من التجربة التركية في مسايسة الضبّاط, والسبب هو الاختلاف الجذري بين الجيشين.

الجيش التركي -كانت ولازالت- له مكانته الخاصة عند الشعب, فهو الذي قام بالتصدي للغزو الأوروبي على اسطنبول إبان الحرب العالمية, وانتشل البلد من الهزيمة النكراء إلى قيام الجمهورية, فكان مساغاً أن يحكم بعدها أتاتورك ويحصد الجيش ثمرة مقاومته ويحمي بعدها نظام الجمهورية وسط تصفيق شعبي كبير. لم يكن الجيش التركي متورطاً بقضايا فساد مالي ولم يكن تدخله السافر في السياسة وانقلاباته الأربعة حماية لمصالحه, إنما كان دافعاً أيدلوجياً, وهذا ما يعطي أي رئيس مدني لتركيا ومنهم أرودوغان مساحة كبيرة للإصلاح الاقتصادي والسياحي والتعليمي والمدني بعيداً عن المس بالعلمانية.

ضباط مصر ليسوا كذلك, فبالرغم من دورهم في الثورة على الملكية عام 1952إلا أنهم أخرجوا أنفسهم من السياسة في حينها وأقحموا أنفسهم في التجارة حتى صاروا يملكون أكثر من 40% من الاقتصاد المصري, وتراجعت شعبيتهم بعد أن كان يعدهم المصريون رمزاً للوطنية والفدائية, إلى أن جاءت ثورة 25 يناير على (الرئيس الضابط!) ولم يكن الجيش صانعاً للثورة بل مجرد حامٍ لها. وهذا لا يعطي للجيش مسوغاً ولا مُتقبلا عند الشعب أن يتدخل في السياسة كما للضباط الأتراك.

ولو افترضنا تقبل الشعب وقوى الثورة لسيطرة الجيش على أن يتركوا الشؤون الداخلية للمدنيين, فإن الرئيس المدني أيضاً لن يستطيع حتى القيام بالإصلاح الداخلي للاقتصاد والسياحة لتورط العسكر بالمصالح التجارية الداخلية, وذلك لأن إصلاح أبسط الأمور المدنية ومواجهة العسكر أمران لا ينفصلان عن بعضهما. لذلك لن يعطِ المجلس العسكري الفرصة للرئيس المدني أي مجال للقيام بإصلاحات تعليمية أو طبية أو اقتصادية يكسب فيها الشارع, كيف لا وهو الذي يملك المستشفيات والجامعات الخاصة ويتحكم بالاقتصاد. بالتأكيد ولن يسمح الضباط بعد 60 سنة من الثراء ونعيم العيش بين الطبقة الباشوية والتحكم برقاب الناس أن يُسحب منهم البساط.

إن الاختلاف بين الضباط الأتراك والضباط المصريين يجعل الاستفادة من التجربة التركية غير مناسبة. ناهيك عن استيعاب المجلس العسكري للتجربة التركية واستعداده لمواجهة أي منوارات سياسية طويلة المدى من المدنيين.

الحل في ثورة من جديد, وشهداء جدد.

الجزيرة الحمراء- قصة خيالية غير سياسية

2 comments »


وجدوا أنفسهم بعد أن أفاقوا في ساحل جزيرة صغيرة كثيفة الأشجار استوائية المناخ طويلة النخيل, لا يبدو عليها آثار أقدام, ووجدوا بعض قطع مركبهم المتحطم قد سبح معهم إلى الجزيرة. لا شي يدعوهم للرجوع إلى بلدناهم, جزيرة جميلة ومناخ استوائي ونخيل يعانق السحاب, قرروا المكوث فيها بعد أن قام “حميدان” مع ثلاثة من أصدقاءه الشبان بجولة اسكتشافية سريعة حول الجزيرة فرأوها صالحة للعيش.

وفي المساء.. اجتمع الناجون حول صخرة كبيرة في ساحل الجزيرة على العشاء الذي كان عبارة عن فواكه استوائية وأرانب مشوية اصطادها “سحيم” وطبختها “حجية بزّة” وكان الكبار قد اتفقوا على مناقشة بعض الترتيبات الخاصة. قال أبوحميدان: لا بدّ لنا من أمير. كان الأمر شبه محسوم للشيخ رافع الذي عُرف بحِلمه وكرمه قبل تحطم المركب ويحظى بقبول جيّد بين الناجين، لا سيما أنه أكبرهم سناً. لم يخفَ على الشيخ رافع نظرات التخوف الطبيعي في عيني كل من مولانا الشيخ عبدالمنعم إمام الصلاة في المركب، والسيد “الرامزي” تاجر الذهب المعروف، ونظرات حميدان وبقية الشباب الواعد. فالتفت اليهم وقال مطمئناً: “الحكم شورى، على منهج الدين، والحرية مكفولة“.. صفق حميدان وصفق بعده الشباب بينما “يبّبت” الحجية بزّة من خلف الرجال وأومأ مولانا عبدالمنعم برأسه وابتسم السيد الرامزي ابتسامة عريضة، ونزل الرجال على مفاطيح الأرانب بينما دوّن أبوحميدان ما جرى وقيل في الاتفاقية ووقع عليها أهل الجزيرة الجدد وعُلقت “الوثيقة” على الصخرة الكبيرة في الساحل، ورُفع العلم الأحمر الذي كان مرفوعاً على المركب ليكون العلم الرسمي للجزيرة التي اتفقوا بعد أيام على تسميتها بالجزيرة الحمراء.

بدأ مولانا عبدالمنعم ومعه مجموعة من شباب الصحوة ببناء مسجد من سعف النخيل، وقام أبوحميدان بفتح حلقة علم يدرّس فيها الفلسفة والحساب وافتتح الرامزي كشكاً صغيراً يبيع فيه بعض الاحجارِ الكريمةِ التي يلتقطها من الطرف الآخر من الجزيرة. أما الشيخ رافع أمير الجزيرة فقد التفّ حوله مجموعة من الرجال الذين أعدوا له مجلساً مُزيناً ببعض الصخور والورود ليستقبل فيه الناس ويقضي أمورهم ويجتمع لديه مساءً السيد الرامزي ومولانا عبدالمنعم وأبو حميدان وكبارُ القوم، وتطوع “سميران” ليقوم بشؤون الشيخ رافع والذي قام بدوره بتعيين “زندان” المصارع الطويل حارساً شخصياً للشيخ لحمايته من الدب المفترس الذي يعيش في جبال الجزيرة والذي كاد أن يلتهم أحد أصدقاء حميدان في إدى رحلات الصيد بوسط الجزيرة.

استيقظت الجزيرة يوماً على صوت مدوٍّ يخرج من الساحل، تجمعوا سراعاً هناك وإذ بسفينة عظيمة تبدو أنها جاءت من عصر سابق لأوانه بقرون! رست بمسافة قصيرة من شاطئ الجزيرة وخرج من رَحمها قاربٌ صغيرٌ يرفعُ علماً أبيضاً متجهاً نحو الشاطئ، نزل منه ثلاثة رجال يرتدون البدلة وربطةَ العنقِ والنظاراتِ السوداء، تقدم لهم سميران على ريبة وقال: من القوم؟ مدّ أحد الرجال يده وقال: مرحبا، أنا سام.. ولدي سر خطير!

أخذهم سميران إلى مجلس الأمير رافع “يا حي الله من جانا” قال الأمير وبعد أن قام بواجب الضيافة تنحنح السيد سام ممهداً للأمير لاستقبال السر الخطير الذي جاؤوا من أجله.
“هذه الجزيرة مبروكة.. في بطنها رحمة البشرية جمعاء، وعزّ للجزيرة الحمراء، وفي جيبك ثراء“
بالتأكيد لم يفهم الامير رافع مقصد السيد سام سوى أنه هناك سائل يجري تحت الجزيرة له قيمة عند أصحاب العيون الزرقاء. لكن الجُملة الأخيرة كانت كفيلة بأن “يقهوي” سامَ وأبا سام وجدَّه.

بدأ سكان الجزيرة يألفون السفن الغريبة التي تأتيهم بين الحين والآخر والتي ينزل منها أصحاب العيون الزرقاء حاملين على أكتافهم معدات لم يروها في حياتهم من قبل، ثم  لحق تلك السفن زوارق حربية ينزل منها جنود مسلحون بأسلحة زرقاء. كان أبو حميدان يسأل الأمير رافع بين الحين والآخر عن هؤلاء الغرباء, لكنه لم يلق مرة جواباً واضحاً. لاحظ السكان زيارة وفود كثيرة للامير، ناهيك عن قدوم زوار من جزر مجاورة، وصاروا يتكلمون عن البيت الفخم الذي يُبنى للشيخ رافع على البحر، وبدأوا يلاحظون سمات الثراء على سميران ورفاقه. لا يهم من هؤلاء الزوار، ولا يهم ماذا يسكن الامير طالما أنهم شعروا أن أحوال الجزيرة أيضاً بدأت تتحسن.

لم يستمر الأمر بهذه البراءة, فقد شوهد أحد الأيام اثنان من أصحاب العيون الزرقاء يعاكسون “مزنة” ابنة الحجية بزّة أمام كشك الرامزي, وانتبه لهذا سحيم الذي كان عائداً من الصيد وجاء ليبيع الأرانب في السوق, فاشتعلت في نفسه نارُ الغيرة ورمى ما في يديه وانقض على أحدهما ليذبحه, ولما طرحه أرضاً وتمكن منه, شعر سحيم بيدٍ حديدية تقبضه من ثيابه وتعلو به في السماء وتهوي به على الأرض!
المفاجأة أنه كان زندان.

قامت الدنيا في الجزيرة ولم تقعد حين سمعت بما جرى في السوق ثم ما حدث لسحيم من ضرب فحبس. أسرع والد سحيم وأصدقاءه ومولانا الشيخ عبدالمنعم وأبوحميدان إلى الشيخ رافع للتأكد إن كان يعي ما حدث اليوم في السوق, وحينما وصلوا كان بيت الشيخ رافع محاطاً بزندان وأفراده المسلحين بأسلحة “زرقاء“!

أدرك الناس أن الوضع لم يعد كما كان في السابق, قال والد سحيم: رافع ليس رافع. وصاح حميدان بل هم أصحاب العيون الزرقاء: وقال مولانا عبدالمنعم: إنه السائل الذي دمرنا!

في اليوم التالي خطب مولانا عبدالمنعم في المصلين: إن وجود أصحاب العيون الزرقاء حرام في جزيرتنا, وصرّح أبوحميدان معلم الفلسفة والحساب لتلاميذه أن لو كان أفلاطون حيّاً في زماننا لاعتبر أن الاستقلالَ أساسُ المدينةِ الفاضلة. في اليوم التالي, لم يجد المصلون مولانا عبدالمنعم, ولم يجد الطلاب أستاذهم ابوحميدان!

صحت الجزيرة اليومَ التالي على خبرٍ مريعٍ لم يَسبُقُ في تاريخ الجزيرة. كان دخان النار يتصاعد من الطرف الآخر من الجزيرة, وزندانُ ورفاقه قد انتشروا في كل مكان حاملين الأسلحة الزرقاء. سرعان ما انتشر الخبر: سْلَيم أخو سحيم وأحد مريدي مولانا الشيخ عبدالمنعم مع ثلاثة من الشبان تسللوا ليلاً إلى مساكن أصحاب العيون الزرقاء وأضرموا فيها النار, نتج عن ذلك مواجهةً داميةً راح ضحيتها سليمٌ ورفاقه جميعاً.
“ارهابيون” همس السيد سام للأمير رافع “كلهم إراهابيون”
كان الأمير رافع الآن قد فهم المعادلة تماماً، “دع لهم السائل، وسيدعونك تاكل، ويكون حكمك غير زائل

 صار للأمير رافع قصوراً ضخمة مبنية من الأحجار الكريمة، كان أحدهم يقسم أن الاحجار كانت إهداءً من السيد الرامزي! حتى زندان وسميران لوحظ أنهما يلبسان خواتمَ من أغلى أنواع العقيق! صار رجال زندان يتواجدون في كل مكان، في المسجد والسوق ويحضرون حلقات العلم! وتسمع يومياً عن اختفاء من يستفسر عن هذا الثراء المفاجئ أو يتذمر من أصحاب العيون الرزقاء. أصبح الأمر في الجزيرة لا يطاق. كثرت معاكسات أصحاب العيون الزرقاء بفتيات الجزيرة بالسوق والطرقات بشكل جريء ووقح، بعضهن كن يتلذذن بذلك ويرضين غرورهن بالتغنج أمامهم، كيف لا ونساء الشعب المهزوم يملن دائماً إلى جنود الأعداء الفاتحين ولو كانوا قاتِلي أزواجهنّ! والبعض لم يكنْ لهنّ سوى إطراق رؤوسهن في الأرض, ولم يكن أحداً يجرؤ ليمارس دور البطولة، ولا حتى سحيم الذي خرج من الحبس مُعلّماً على وجهه كان يكتفي بالاستغفار وغض البصر. كم كان ذلك مخزياً.

خرج مولانا عبدالمنعم وخرج معه أبوحميدان بعد فترة حبس ليست بالقصيرة وسط استقبال محفوف من الاهل الاصدقاء. كانت المنابر قد اشتاقت لهؤلاء الأحرار. امتلأ المسجد بالمصلين من الرجال والنساء لسماع خطبة مولانا الذي خطب فيهم عن مفهوم ضرورة التعايش مع الواقع والخضوع لحكم المتغلب وحرمة الخروج عن الطاعة والجهر بالنصيحة! قاطعه أحد طلبته المتحمسين أثناء الخطبة باستنكار خطابه الذي لم يُعهد عليه من قبل. ففاجئه مولانا عبدالمنعم بسؤال مباغت يبدو من الواضح أنه أعدّه مسبقاْ: مالفرق بين سنن وواجبات الوضوء؟! يا بنيّ دع الدين لأهله!

أبوحميدان الفيسلوف المثقف الشهير لم يكن أفضل حالاً, صار يبرر الوضع ويقول: إن الارهاب سببه انفصام بالشخصية والحاجة إلى تحقيق الذات كما يشير هرمُ ماسلو! وكان يُشعر مستمعيه بالضعف حين يصغون إليه وهو يستشهد بكانط ونيتشه وفرويد وفولتير!
كان أحد مريدي مولانا عبدالمنعم قد لاحظ خاتماً من أفخم أنواع العقيق في اصبعه وكان يتسائل إن كان يوجد فرعاً لكشك التاجر الرامزي في الحبس! 

وتداول أهل الجزيرة الصغيرة قصائد الشعراء في مدح الامير رافع التي تثني على شجاعته بعد أن انتشر خبر قتله الدب المفترس الذي كان مصدر رعبٍ الجزيرة, والذي قتله في الحقيقة قناص من أصحاب العيون الزرقاء! وانهالت عليه القصائد التي تصف حكمته بعد أن قام بالصلح بين مريدي الشيخ عبدالمنعم وطلاب الاستاذ أبوحميدان إثر شجار حدث حول موضوع زندقة الفلاسفة وظاهرية الأصوليين، حتى أن بعضهم تيقن أن الحكم سينفرط لو كان الأمر لغير الامير رافع وسادت قناعة أنه لن يتوافق سكان الجزيرة على غيره، متناسين أن سبب الخلاف بينهما كان فتنة دبرها سميران! وبدأ الناس تتحدث عن كرَمه حين أمر بعطايا لكل بيت في يوم العيد، وحين يَذكر أحدهم تحرشات أصحاب العيون الزرقاء بأخواتهم، يرد عليه آخر بثقة: كل شيء يهون طالما كنت تأكل وتشرب ، ويقول ثانٍ: احمد الله على النعمة ولا تنظر للأمور من زاوية ضيقة. ويجيبه ثالث فيقول: الامير رافع أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين! ويفحمه رابع فيقول: فليغادر الجزيرة من لا يعجبه حكم الامير رافع. ويقول خامس: نحن أحسن من غيرنا .. الجميع كان يحب الأمير رافع, كيف لا وهو الشيخ الوقور البشوش الذي ينعم دائماً على أبناءه من أهل الجزيرة, وهو بالتأكيد لا علاقة له بجرائم زندان وتحرشات أصحاب العيون الزرقاء.

مرّ حميدان ورفيق دربه سحيم على الصخرة الكبيرة في الساحل التي عُلقت فيها الوثيقة وقرأ فيها ما كتب الآباء المؤسسين في اجتماع الصخرة: “هذا ما اتفق عليه العم رافع وأهل الجزيرة, الأمر شورى, على منهج الدين, والحرية مكفولة“
قال سحيم: ألا يبطل العقد حين يُخلّ أحد الطرفين بشرط من شروط العقد؟
– نعم يا سحيم, لكن أهل الجزيرة اليوم لديهم شرط واحد. شرط واحدٌ فقط.. ثم يشير إلى معدته!

أُعلن في الجزيرة عن قيام جلالة الأمير رافع حفظه الله بزيارة السوق ليلتقى بأبناءه المواطنين من سكان جزيرة الحمراء. “هذه فرصتنا” قال سحيم “ستكون مناسبة حاشدة, سيخصص في زيارته كلمة لمولانا عبدالمنعم وللسيد الرامزي وكلمة لممثل شباب الجزيرة”
– لا يخفى عليك أنه يستحيل السماح لأمثالنا بإلقاءها
– أنت يا حميدان صاحب سجل نظيف, ولم تنخرط بعمليات إرهابية ثورية بعد, ولو استطعنا أن ندفع بك للإلقاء كلمة شباب الجزيرة, فأنت نموذوج للشاب المعتدل, وسمعة والدك تسبقك. سنقول له أنك نقضت العهد يا شيخ رافع, سنقول أن الجزيرة أصبحت لا تطاق, سنقول له أن استقلالنا أغلى من ذاك السائل الرخيص الزائل. ستكون ضربة قاضية على الأمير رافع, سنحرجه أمام الملأ بكلمة حق تصل مداها إلى الجزر المجاورة, إنه دورك اليوم يا حميدان لتصدح بكلمة الحق أما سلطان جائر!

صبّحت الجزيرة على يوم الزينة صباحاً استثنائياً, وقد عُلّقت الورود فوق مدخل السوق, وهُيّءَ المكان لجلوس جلالة الأمير ومن خلفه الحضور يقابله منصة عبارة عن جذع نخلة مقطوع , وانتشر رجال زندان في كل مكان لتأمين وصول الأمير رافع إلى السوق, الحشود قد ملأت المكان, وكان سميران قد حفّظ الأطفال بعض هتافات التمجيد واصطفهم بجانبي مدخل السوق ليستقبلوا أباهم. هاهو الأمير رافع يصل إلى السوق وسط تصفيق وهتاف وزغاريد يحيطه زندان بجسمه الحديدي يقوده لصدر المسرح. وعلى الطرف كان يجلس حميدان متوتراً كإرهابي مستعد لتنفيد عملية استشهادية. “فليحدث ما سيحدث, لم أعد أبالي” هكذا كان يحدث حميدان نفسه “سيجرجروني ويمزقوني قطعاً وسينقض سميران علي ليقاطعني ويرميني لزندان, لكن بعد ماذا؟ بعد أن أكونَ قد قلت ما فيه الكفاية, ستكون تلك ضربة قوية, ينكشف فيها الوجه الأسود لبطش الأمير رافع, تسجل فيه الجزيرة واحداً من أهم أيامها في التاريخ”
ليس من السذاجة التوقع أن سميران كان ليسمح بالكلمات أن تُلقى دون مراقبة سابقة يشرف عليها شخصياً, فلا مكان لكلمة أمام جلالة الأمير رافع دون مستوى الطلبقة والدمعزة, حتى الأسئلة ما كان لِيُسمَح بها إلا التي تحمل في طياتها التمجيد والتعظيم أيضاً, كسؤال كيف استطاع جلالتكم بحكمته رأب الصدع بين الفلاسفة والأصوليين؟ أو هل لفخامتكم أن تحدثنا كيف قتلت بشجاعتكم الدب الأبيض المفترس؟ أو هل سيستمر كريم عطاياكم وجزيل هباتكم في الأعياد القادمة؟

جلس الأمير رافع وجلس بعده الحضور الغفير وتقدم عريف المناسبة بالترحيب بجلالته دون باقي الناس وكأنهم غير موجودين وكيل أيات التعظيم بكل ما أوتي من قاموس الربوبية والألوهية والأسماء والصفات وبعد انتهاء وِردِهِ الطويل قال: ولتسمح لي جلالتكم أن أقدم بين يديكم أبناءكم من شباب الجزيرة ويمثلهم حميدان بن أبي حميدان..

مشى حميدان بخطوات متثاقله رافقه تصفيق متوسط إلى وصوله المنصة, وما التفت إلى الحشود حتى ساد الصمت. كانت مئات الأعين تحدق في حميدان, رأى حميدان والده أبا حميدان بين الحضور ينظر إليه بفخر واعتزاز, رأى مزنة بنت الحجية بزة وهي ترمقه بنظرة بين العتاب والأمل, رأي في عيون سحيم ورفاقه من الشباب الواعد الترقبَ والاستعداد, رأى سفير العيون الزرقاء بجانب الأمير رافع, ثم التفت ورأى سميران بنظرته الجاده, بجانبه زندان الذي تحدق فيه عضلاتُه لا عيناه, ثم رأى الأمير رافع وهو ينظر إليه بابتسامة جليلة ومهيبة. خفض حميدان بصره إلى الورقة التي بيده, طواها ووضعها في جيبه, وأخرج من جيبه الأخرى قصاصة صغيرة وبدأ يتلو:
“إنه من بالغ الشرف أن نقف أمام جلالتكم لنزف إلى فخامتكم عظيم الشكر على تشريفكم لنا, وباسم شباب الجزيرة أزف إليكم عميق الولاء والانتماء, دمتم ذخراً للجزيرة وأهلِها, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”